.. الحسد حقيقة أم وهم

.. الحسد حقيقة أم وهم

السيد موسى الخضراوي


             تكاد لا تجلس مع أحد إلا وتحدث بمرارة تصل حد الوجع - أحيانا - عن مصائب وبلايا ألمت به ، وأحالت حياته من النعيم إلى الجحيم في طرفة عين . تكاد كل القوانين العقلية ، والمنطقية ، والعلمية تذوب أمام قناعاته ، وخياله ، ومسيرة حياته . يشرح لك التفاصيل كما يراها ، ويسلم بها وكأنها قرآن منزل لا يشوبه ريب طرفة عين أبدا .


      يذكر نعم الله المتتابعة عليه بلا حساب ، والتي تحولت إلى نقم تتوالى وبلا انقطاع .

      هذا يتحدث عن مرضه ، وآخر عن خسارته المالية ، وآخر عن تعليمه ، وآخر عن ذريته وأولاده ،  وآخر عن رزقه ، وآخر عن زوجته ، وآخر عن علاقاته وأصدقائه ..   وعلى ذلك فقس الكثير ..

      جميع هؤلاء مطمئنون بأن حياتهم تدمرت ومستقبلهم انتهى نتيجة أعين الحساد من الأرحام أو الأصدقاء أو الجيران أو المنافسين وسواهم .

       هل أن ما ذهب إليه هؤلاء الناس من ظنون حقيقة أم خيال ؟! .

       للإجابة عن هذا التساؤل لا بد لنا من تحديد معنى الحسد بدقة . الحسد مرض نفسي خطير يصيب الإنسان فيجعله يتمنى زوال النعمة عن الغير بأي وسيلة كانت . وهو شر مطلق ليس له زمان ولا مكان ولا بيئة خاصة . تجده في العلماء ، والأتقياء ، والأطباء ، والمهندسين ، والمعلمين ، والتجار ، والفلاحين، والكسبة وسواهم . لا يرتبط بعمر ولا بتربية ولا بجنس ولا بدين  . يتوارثه البعض حينا ، ويأتي بالاكتساب أحيانا كثيرة . لا يرتبط بمهنة ، ولا بأشخاص ، ولا عوامل فسيولوجية في أصل التكوين .

        ينقسم المجتمع ثقافيا إلى عدة أقسام في نظرتهم للحسد . هناك شريحة تنسب كل فعل حسن أو جميل أو نظرة بابتسامة على أنه حسد محض دون متعلقات آو آثار تابعة ، وتعد الحسن اللفظي أو العملي هو تمنٍّ لزوال النعمة ، وبالتالي لو قلت لعريس ليلة زفافه ما أجملك !،  أو ما أطيبك ! تكون قد حسدته ، والبرهان هذا يفوق السماء علوا فهو من المسلمات لديهم  . وينشرون ذلك في أوساطهم كحقيقة مسلمة ومتوارثة ويربون أبناءهم عليها  .   

          والحال أن جل هؤلاء مرضى يعانون المشكلة في نفوسهم  ، ويسقطونها على سواهم تهربا وخسة واستخفافا بالآخرين لا أكثر  ، وأما القسم الآخر منهم فهم ضحايا آبائهم ، وأمهاتهم ،  وإخوانهم ،  وأسرهم المريضة التي غيّرت فطرتهم السليمة بنشر هذه الثقافة السيئة فيهم ؛ وبالتالي فجميع هذه الشريحة سلبيون تجاه الناس والمجتمعات .

      ومن الناس من ينفون الحسد مطلقا ويرجعون كل الأقدار للمنطق والتخطيط المنظم والعقل ، وبالتالي يعتبرون الحسد كلمة لا وجود لها على الواقع وإنما عفا عليها الدهر من قرون ومازال المتخلفون من الناس -  في نظرهم - يؤمنون بها . كما يَرَوْن أن المجتمعات التي تؤمن بالحسد جاهلة ، ومتخلفة ، وبسيطة . يَرَوْن أن الإنسان بعمله وقوله فقط يحدد مصيره وأقداره .

      وهذا القول لا يستند حقيقة لدليل علمي ولا واقعي ، ولكنه يميل إلى الحداثة الفكرية المطلقة التي تعتبر ذلك حرية فكرية خاصة ؛ والحال أن هذا التفكير لا أصل له تحت أي عنوان . فلا الدين ولا الواقع يقر لهم بذلك . ومن الطبيعي إذا تعارضت قناعات المرء مع كتاب الله وروايات محمد وآل محمد ترمى قناعاته بعرض الحائط مهما بلغ من مكانة علمية أو ثقافية . القرآن واضح الدلالة في الحسد ( ومن شر حاسد إذا حسد ) .

       وهناك شريحة ثالثة من الناس تفحص الأحداث ،  وتبحث في التفاصيل ،  وتطمئن للمقدمات ، وتتبع العلم والمنطق والعقل والعاطفة لتخرج بقناعة خاصة بالإثبات أو النفي . فهم يقرون وجود الحسد ولكنهم لا ينسبون كل شيء له . وإنما من خلال المقدمات يصلون إلى النتائج ويثبتون من خلال البرهان العقلي العلمي صحة آرائهم بعد فحص وتدقيق كبيرين .

 

        قابيل قتل أخاه هابيل حسدا وقد ورد ذلك في القرآن الكريم . وإخوة يوسف ألقوا أخاهم في الجب ليموت حسدا له . وكثيرٌ  من الأصدقاء رموا أصدقاءهم في وحول مظلمة وقذرة حقدا عليهم وحسدا لهم . وعلماء أسقطوا بعضهم ، وتجار ، وفلاحون وسواهم . والتاريخ ملء البصر في إثبات ذلك ،  فكم من عداوات ونزاعات وضغائن انتشرت نتيجة له   ؛ فهو من المسلمات العقلية والنقلية لدى الواعين والجهلاء معا   .

       صحيح أن  هناك أطهارا كراما وعظماء اتهمتهم الناس جورا وعدوانا بالحسد والحقد ، وهم بريؤون براءة الذئب من دم يوسف غير أن هذا الاشتباه لا ينفي وجوده في فئات أخرى مطلقا . وعليه ؛ يكون هذا الصنف من الناس أكثر دقة ،  وأصح تحليلا ، وأوسع فكرا ، ويحكي الواقع بأبعاده وتجلياته .    

         من العجيب هنا أن بعض المحسودين على نعم الله عليهم هم محل ابتلاء من الله حقيقة ،  بمعنى أن المال مثلا متوفر لديهم لكنهم مرضى في صحتهم أو ماشابه . غير أن الناس تحكم بظواهر الأمور تاركين الخفايا عنهم  تماما .

        لو انشغل الناس بأنفسهم ( وفي أنفسهم أفلا يبصرون ) ، واستعاذوا بالله من الشيطان الرجيم ، وصلوا على محمد وآله في كل مرة تنقبض فيها قلوبهم على نعم الناس ، لهذبوا أنفسهم وأرواحهم شيئا فشيئا ،  وأوصلوها مرحلة الكمال والجمال ، غير أن خضوعهم لهوى النفس وعدم مجاهدتها جعلهم فريسة الهوى والشيطان بامتياز .

      وما نراه الآن من تفكك وتسقيط وعداوات وانقسامات وحروب نفسية في بعض المجتمعات المعاصرة ماهو إلا إفرازات طبيعية لهذه الأمراض النفسية التي أفسدت البلاد والعباد والحجر والمدر .

         إن الطاقات السلبية في نفوس الحساد كفيلة بتحويل النور إلى نار وصهر الحديد وذوبان الحجر ، بخلاف الطاقات الإيجابية في نفوس الأصحاء الكفيلة بتحويل الحياة القاسية -  حقيقة لا اعتبارا - إلى واحة غناء ، مليئة بالخمائل والأزهار ،  والأحلام الوردية التي تسعد النفس والروح والعباد ، وترضي خالقهم جل وعلا .

       خيارك بيدك فإما النار التي تأكلك وتأكل كل من حولك وما حولك ، وإما السعادة التي تملأ الخافقين وتجعلك سيدا في قومك وعزيزا عند الله .

 

 



التعليقات


يرجى الإطلاع على شروط التعلقات

عرض الأسم

عرض الأسم

عرض البريد

رمز التحقق