أقلام وكتابات
2016/07/01 | 0 | 3092
مع العادات والتقاليد
لا شك أنه عبر المسيرة الإنسانية الطويلة للإنسان تغيرت الكثير من العادات والتقاليد،كما سيتغير الكثير منها في مستقبل الزمان.
وهذا أمر طبيعي جدا يجب أن لا نستغربه ولا نعجب منه،كما لا يصح أن نحاربه أيضا.
فما دام الإنسان يملك عقلا يفكر ويخطط،وما دام الإنسان يبحث دائما عن سعادته وراحته،وما يحقق له المتعة والرفاهية في هذه الحياة،فمن الطبيعي جدا أن يغير نظام حياته وفق ما يراه في صالحه،ويحقق له المتعة والفائدة معا.
مع العادات والتقاليد)
✍علي محمد عساكر,
لا شك أنه عبر المسيرة الإنسانية الطويلة للإنسان تغيرت الكثير من العادات والتقاليد،كما سيتغير الكثير منها في مستقبل الزمان.
وهذا أمر طبيعي جدا يجب أن لا نستغربه ولا نعجب منه،كما لا يصح أن نحاربه أيضا.
فما دام الإنسان يملك عقلا يفكر ويخطط،وما دام الإنسان يبحث دائما عن سعادته وراحته،وما يحقق له المتعة والرفاهية في هذه الحياة،فمن الطبيعي جدا أن يغير نظام حياته وفق ما يراه في صالحه،ويحقق له المتعة والفائدة معا.
فسواء كنا مؤيدين لهذه التغيرات أو معارضين لها، فالتغير ـ كما قلنا ـ أمر طبيعي تفرضه طبيعة الحياة وتمدن الإنسان وتطور حضارته،واختلاف أجياله...إلى ما هنالك من عوامل ومؤثرات تساهم بشكل كبير في تغير الشيء الكثير من عادات الأمم وتقاليد الشعوب.
فالإنسان مفطور على حب الكمال،وهو دائما يسعى نحو تحقيقه والوصول إليه بكل ما أوتي من قوة،وقد زوده الله بهذا العقل الجبار ليعينه على التفكير والابتكار، ليساعده ذلك على تغيير نمط حياته إلى الأفضل على جميع الأصعدة والمستويات، مما يفرض ذلك عليه الاستغناء عن شيء,وتغير شيء,واستبدال شيئا بشيء.
ولأن هذا الإنسان مفطور على حب التطور والتحضر والوصول إلى الكمال في كل شيء،ترى حياته دائما متغيرة ومتطورة،عكس الحيوانات التي لا تملك بعد الجمال في الفن،ولهذا فهي لم تغير نظام حياتها،ولن تغيره أبدا.
ونحن يجب أن نواكب ركب الحضارة وتقدم الحياة وازدهارها،ليس فقط على الصعيد العلمي,بل على جميع الأصعدة,وفي مختلف الميادين.
فالتطور والتمدن ليس محصورا في الاكتشافات العلمية من طبية أو فلكية أو كيميائية أو رياضية أو فيزيائية...أو غيرها،بل هو داخل أيضا حتى في السياسة والإدارة والاقتصاد والاجتماع والتربية...بل وإلى حد أن يدخل حتى في سلوك الإنسان ونظام حياته ومعيشته،بما في ذلك مأكله ومشربه ومسكنه وملبسه... وكل ما له علاقة به من قريب أو بعيد.
فكل ما يمثل علاقة بين الإنسان والطبيعة هو خاضع للتغير والتمدن عبر العصور والقرون،مما يفرض تغيرا حقيقيا في العادات والتقاليد شئنا ذلك أم أبينا.
والإنسان الفطن الواعي هو الذي لا يستعجل في رفض كل جديد ومحاربة كل حديث،كما أنه لا يستعجل في الأخذ به أيضا.
فالإفراط في الأخذ بكل شيء جديد ومخالف للمألوف والمعروف دون وعي أو إدراك،أو حتى لو كان على حساب الدين،أو ما عندنا من عادات وتقاليد أصيلة،ومنسجمة مع القيم العليا والأخلاق الكريمة... أمر مذموم،ولكن أيضا التفريط برفض كل شيء جديد, ومحاربته بلا هوادة بحجة مخالفته لعاداتنا وقيمنا وتقاليدنا هو كذلك قبيح ومذموم،فالإفراط والتفريط في الأشياء كلاهما قبيح، ودليل الجهل,وعدم الوعي والمعرفة والفهم والإدراك.
وهكذا يتضح لنا أنه من الخطأ الفادح أن نرفض كل ما هو جديد ومغاير لما عندنا من عادات وتقاليد، سواء في المجالات العلمية أو حتى في ما يتعلق بنظام حياتنا المرتبطة بمأكلنا ولباسنا وعملنا...وإن سرنا على هذا النهج الخاطئ فلا شك أننا سنقبع في ذيل القائمة،وسنتخلف كثيرا عن ركب الحضارة,وتقدم الحياة وازدهارها.
ولكن يجب أن نلتفت أيضا إلى أنه كما أن الانغلاق الكامل على ما عندنا،وما تعودنا عليه هو نهج خاطئ، بل قد يكون جريمة في حق أنفسنا وأجيالنا القادمة،كذلك الانفتاح الكامل على كل شيء,والانسياق وراء كل صيحة جديدة،والأخذ بها دون تأمل ووعي ودراسة،هو جريمة لا تقل خطورة وآثارا عن ذلك الانغلاق إن لم تكن أكبر وأعظم،ذلك أن هذا الانفتاح غير المدروس على كل شيء ربما يوصلنا إلى حد أن يخرجنا من إنسانيتنا، ويقضي على كل ما عندنا من قيم أصيلة,وعادات نبيلة,وأخلاق كريمة... وحينها سنكون كالأنعام بل أضل سبيلا.
لاحظوا هذا التصنيف الرائع للبشر من قبل سيد الحكماء وإمام البلغاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : (الناس ثلاثة : عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع,أتباع كل ناعق, مع كل ريح يميلون,لم يستضيئوا بنور العلم،ولم يركنوا إلى ركن وثيق)
والذي يهمنا من هذا التصنيف الجميل الرائع هما الصنفان الأخيران من الناس، فالأول منهما متعلم على سبيل نجاة،فلا يستعجل في رفض كل شيء جديد،كما لا يتسرع في قبوله أيضا،بل ينظر إلى ذلك الشيء بعين الدارس له،المتأمل فيه، فيعرضه ـ أولا وقبل كل شيء ـ على الدين ليرى هل يوافقه أم يخالفه،كما يعرضه على الأخلاق الفاضلة والآداب الكريمة ليرى هل ينافيها أو يماشيها،كما يحاول أن يرى حكم العقل فيه،وموقفه منه,ليعرف إن كان مما يحكم العقل بحسنه أو بقبحه،كما يقوم بالمقارنة بين منافعه ومضاره ليرى أيها يرجح على الآخر،ليحدد على ضوء كل ذلك موقفه منه سلبا وإيجابا.
فإن كان موافقا للدين, مسايرا للأخلاق,تترتب على الأخذ به المنافع والخيرات، أخذ به حتى ولو كان على حساب تغيير ما كان عنده من عادات بالية،وتقاليد قديمة عفي عليها الدهر وشرب،وهي إن وافقت جيلا وصلحت له،فإنها لا توافق الأجيال الجديدة بما وصلت إليه من رقي وتقدم وتحضر.
وإن رآها مخالفة للدين, منافية للأخلاق،مذمومة بحكم العقل،غير منسجمة مع الفطرة الإنسانية السليمة,كانت مضارها أكبر من منافعها...رفضها رفضا قاطعا،حتى وإن وصمه البعض بالتخلف والرجعية، وعدم مسايرة ركب الحضارة.
ولكن الصنف الثاني من الناس : همج رعاع،أتباع كل ناعق،مع كل ريح يميلون،لم يستضيئوا بنور العلم،ولم يركنوا إلى ركن وثيق،فهم كالبهية التي لا تعقل ولا تشعر،يقودها زيد ويسيرها عمرو،فيتبعون كل أحد، ويمشون وراء كل شيء، ويسيرون خلف كل صيحة... دون وعي أو إدراك،وحتى إن كان ذلك على حساب دينهم وأخلاقهم.
لذلك نحن يجب أن نكون واعين جدا في ما نأخذ وما نترك من متغيرات الحياة،ولا بد أن نعرف كيف نفرق بين الثابت والمتغير،وبين ما هو من الدين وما هو من العادات، إذ ليس الهدف فقط التغيير بقصد التغيير،وحتى لو كان ذلك على حساب الحقائق الثابتة سواء كانت دينية أو غير دينية،أو حتى على حساب القيم الإنسانية الأصيلة الفاضلة،وإنما القصد هو التغيير إلى الأحسن والأفضل،لنسمو بأنفسنا ومجتمعنا،ونصل إلى أعلى درجات الكمال الإنساني على جميع الأصعدة والمستويات، وفي مختلف الحقول والميادين.
هذا عن العادات والتقاليد بصورة عامة،ولكن بقيت نقاط مهمة لا بد أن أشير إليها وهي أنه يجب أن نعلم أن الشيء ـ أي شيء ومنه تغيير بعض العادات والتقاليد ـ لا يمكن أن يحدث ويتحقق دفعة واحدة،بل لا بد فيه من التدرج شيئا فشيئا إلى أن يتعود عليه المجتمع فيؤمن به.
وعليه يجب أن لا نستغرب ما نراه من تباين الآراء, واختلاف وجهات النظر في كل شيء جديد على الساحة، لينقسم الناس فيه إلى قسمين ما بين مؤيد ومعارض.
فهذا أمر طبيعي ناتج من اختلاف العقول،ومستوى الإدراك،ومنهجية التفكير،بل ومن اختلاف النظرة إلى ذلك الشيء،فهذا ينظر إليه من زاوية فيراه حسنا فيدعو إليه،وذاك ينظر إليه من زاوية أخرى ،فيراه سيئا فيقف في وجهه،ويحاربه بكل قوة.
وكمثال على ذلك عمل المرأة خصوصا في الأماكن المختلطة كالطب مثلا،فهذا قد ينظر إليه من زاوية أنه يساعد المرأة على تحقيق ذاتها،وبناء نفسها،ويصنع منها عضوا فاعلا في المجتمع,كما أنه يحل مشكلة عرض المرأة نفسها على الرجال الأجانب.
وذاك قد ينظر إليه من زاوية أنه يساعد على انعدام العفة وقلة الحياء،وربما أوصل إلى المحرم،ويبرر موقفه هذا بأنه ليس ضد عمل المرأة في المجالات الطبية،وإنما هو ضد عملها المختلط فقط،ولذا فهو لن يمانع لو كانت هناك مستشفيات خاصة بالنساء مثلا.
ووفق اختلاف النظرتين سيختلف الموقف من عمل المرأة في الأماكن المختلطة، وسيظل الصراع قائما بين الفريقين،إما إلى أن تتغير نظرة أحد الطرفين فيتغير موقفه،وتتبدل قناعاته إلى حد أن تتحد الآراء التي كانت متباينة،أو أن الصراع سيظل مستمرا بين الفريقين إلى أن ينقرض جيل ويأتي جيل آخر يكون قد تعود على ذلك الشيء فيقره.
ومسألة أخرى تتعلق بهذه الأمور،وهي مسألة النفسيات ومدى قابليتها لتقبل الأشياء بغض النظر عن الأحكام الشرعية،والقناعات العقلية والفكرية،فليس كل ما يوافق الشريعة،أو يقره العقل،يكون سهلا على النفس القبول به.
فقد يصل زيد من الناس إلى القناعة الفكرية والعقلية الكاملة بعمل المرأة في الأماكن المختلطة،لما هو متأكد منه من أن ذلك يساعد على حل الكثير من المشاكل المتعلقة بالمرأة على وجه الخصوص،بل ولما في ذلك من إتاحة الفرصة للمرأة لتكون عضوا فاعلا في الحياة،ولكنه على مستوى النفس يرى نفسه غير متقبلة لهذا الأمر،لما يساورها من مخاوف هو يتوقع حدوثها،مما يجعله يعيش صراعا حادا بين عقله ونفسه قد يمضي حياته كلها دون أن يحسمه،بل ربما صراعه صرعه فقضي عليه، أو أوصله إلى حد الإصابة بالأمراض العصبية والنفسية.
وبناء على كل هذا لا يصح أن نتهم من يرى ضرورة عمل المرأة في الأماكن المختلطة بأنه متفسخ من القيم والأخلاق مارق من الدين....أو ما شابه ذلك من أحكام يصل البعض إلى حد التطرف في إصدارها،كما لا يصح أيضا أن نصف من لا يؤمن بهذا العمل بأنه رجعي أو متخلف،خصوصا لو كان ذلك نتاج الصراع بين الفكر والنفس،الذي يجعله ـ أحيانا ـ يقبل بعمل المرأة الأجنبية ويدعو إليه،وفي الوقت ذاته يرفض هذا الأمر لمن هن تحت ولايته وسلطانه.
كذلك يجب أن لا نغفل المكانة الاجتماعية للآخرين، فربما هذا العمل أو ذاك الفعل ـ أعني أي عمل وأي فعل ـ يناسب هذا لأنه من طبقة اجتماعية معينة،ولا يناسب الآخر لأنه من طبقة أخرى موقعها يفرض عليها ما لا يفرضه على الآخرين.
فسواء كنا مؤيدين لهذه التغيرات أو معارضين لها، فالتغير ـ كما قلنا ـ أمر طبيعي تفرضه طبيعة الحياة وتمدن الإنسان وتطور حضارته،واختلاف أجياله...إلى ما هنالك من عوامل ومؤثرات تساهم بشكل كبير في تغير الشيء الكثير من عادات الأمم وتقاليد الشعوب.
فالإنسان مفطور على حب الكمال،وهو دائما يسعى نحو تحقيقه والوصول إليه بكل ما أوتي من قوة،وقد زوده الله بهذا العقل الجبار ليعينه على التفكير والابتكار، ليساعده ذلك على تغيير نمط حياته إلى الأفضل على جميع الأصعدة والمستويات، مما يفرض ذلك عليه الاستغناء عن شيء,وتغير شيء,واستبدال شيئا بشيء.
ولأن هذا الإنسان مفطور على حب التطور والتحضر والوصول إلى الكمال في كل شيء،ترى حياته دائما متغيرة ومتطورة،عكس الحيوانات التي لا تملك بعد الجمال في الفن،ولهذا فهي لم تغير نظام حياتها،ولن تغيره أبدا.
ونحن يجب أن نواكب ركب الحضارة وتقدم الحياة وازدهارها،ليس فقط على الصعيد العلمي,بل على جميع الأصعدة,وفي مختلف الميادين.لتطور والتمدن ليس محصورا في الاكتشافات العلمية من طبية أو فلكية أو كيميائية أو رياضية أو فيزيائية...أو غيرها،بل هو خل أيضا حتى في السياسة والإدارة والاقتصاد والاجتماع والتربية...بل وإلى حد أن يدخل حتى في سلوك الإنسان ونظام حياته ومعيشته،بما في ذلك مأكله ومشربه ومسكنه وملبسه... وكل ما له علاقة به من قريب أو بعيد.
فكل ما يمثل علاقة بين الإنسان والطبيعة هو خاضع للتغير والتمدن عبر العصور والقرون،مما يفرض تغيرا حقيقيا في العادات والتقاليد شئنا ذلك أم أبينا.
والإنسان الفطن الواعي هو الذي لا يستعجل في رفض كل جديد ومحاربة كل حديث،كما أنه لا يستعجل في الأخذ به أيضا.
فالإفراط في الأخذ بكل شيء جديد ومخالف للمألوف والمعروف دون وعي أو إدراك،أو حتى لو كان على حساب الدين،أو ما عندنا من عادات وتقاليد أصيلة،ومنسجمة مع القيم العليا والأخلاق الكريمة... أمر مذموم،ولكن أيضا التفريط برفض كل شيء جديد, ومحاربته بلا هوادة بحجة مخالفته لعاداتنا وقيمنا وتقاليدنا هو كذلك قبيح ومذموم،فالإفراط والتفريط في الأشياء كلاهما قبيح، ودليل الجهل,وعدم الوعي والمعرفة والفهم والإدراك.
وهكذا يتضح لنا أنه من الخطأ الفادح أن نرفض كل ما هو جديد ومغاير لما عندنا من عادات وتقاليد، سواء في المجالات العلمية أو حتى في ما يتعلق بنظام حياتنا المرتبطة بمأكلنا ولباسنا وعملنا...وإن سرنا على هذا النهج الخاطئ فلا شك أننا سنقبع في ذيل القائمة،وسنتخلف كثيرا عن ركب الحضارة,وتقدم الحياة وازدهارها.
ولكن يجب أن نلتفت أيضا إلى أنه كما أن الانغلاق الكامل على ما عندنا،وما تعودنا عليه هو نهج خاطئ، بل قد يكون جريمة في حق أنفسنا وأجيالنا القادمة،كذلك الانفتاح الكامل على كل شيء,والانسياق وراء كل صيحة جديدة،والأخذ بها دون تأمل ووعي ودراسة،هو جريمة لا تقل خطورة وآثارا عن ذلك الانغلاق إن لم تكن أكبر وأعظم،ذلك أن هذا الانفتاح غير المدروس على كل شيء ربما يوصلنا إلى حد أن يخرجنا من إنسانيتنا، ويقضي على كل ما عندنا من قيم أصيلة,وعادات نبيلة,وأخلاق كريمة... وحينها سنكون كالأنعام بل أضل سبيلا.
لاحظوا هذا التصنيف الرائع للبشر من قبل سيد الحكماء وإمام البلغاء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : (الناس ثلاثة : عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع,أتباع كل ناعق, مع كل ريح يميلون,لم يستضيئوا بنور العلم،ولم يركنوا إلى ركن وثيق)
والذي يهمنا من هذا التصنيف الجميل الرائع هما الصنفان الأخيران من الناس، فالأول منهما متعلم على سبيل نجاة،فلا يستعجل في رفض كل شيء جديد،كما لا يتسرع في قبوله أيضا،بل ينظر إلى ذلك الشيء بعين الدارس له،المتأمل فيه، فيعرضه ـ أولا وقبل كل شيء ـ على الدين ليرى هل يوافقه أم يخالفه،كما يعرضه على الأخلاق الفاضلة والآداب الكريمة ليرى هل ينافيها أو يماشيها،كما يحاول أن يرى حكم العقل فيه،وموقفه منه,ليعرف إن كان مما يحكم العقل بحسنه أو بقبحه،كما يقوم بالمقارنة بين منافعه ومضاره ليرى أيها يرجح على الآخر،ليحدد على ضوء كل ذلك موقفه منه سلبا وإيجابا.
فإن كان موافقا للدين, مسايرا للأخلاق,تترتب على الأخذ به المنافع والخيرات، أخذ به حتى ولو كان على حساب تغيير ما كان عنده من عادات بالية،وتقاليد قديمة عفي عليها الدهر وشرب،وهي إن وافقت جيلا وصلحت له،فإنها لا توافق الأجيال الجديدة بما وصلت إليه من رقي وتقدم وتحضر.
وإن رآها مخالفة للدين, منافية للأخلاق،مذمومة بحكم العقل،غير منسجمة مع الفطرة الإنسانية السليمة,كانت مضارها أكبر من منافعها...رفضها رفضا قاطعا،حتى وإن وصمه البعض بالتخلف والرجعية، وعدم مسايرة ركب الحضارة.
ولكن الصنف الثاني من الناس : همج رعاع،أتباع كل ناعق،مع كل ريح يميلون،لم يستضيئوا بنور العلم،ولم يركنوا إلى ركن وثيق،فهم كالبهية التي لا تعقل ولا تشعر،يقودها زيد ويسيرها عمرو،فيتبعون كل أحد، ويمشون وراء كل شيء، ويسيرون خلف كل صيحة... دون وعي أو إدراك،وحتى إن كان ذلك على حساب دينهم وأخلاقهم.
لذلك نحن يجب أن نكون واعين جدا في ما نأخذ وما نترك من متغيرات الحياة،ولا بد أن نعرف كيف نفرق بين الثابت والمتغير،وبين ما هو من الدين وما هو من العادات، إذ ليس الهدف فقط التغيير بقصد التغيير،وحتى لو كان ذلك على حساب الحقائق الثابتة سواء كانت دينية أو غير دينية،أو حتى على حساب القيم الإنسانية الأصيلة الفاضلة،وإنما القصد هو التغيير إلى الأحسن والأفضل،لنسمو بأنفسنا ومجتمعنا،ونصل إلى أعلى درجات الكمال الإنساني على جميع الأصعدة والمستويات، وفي مختلف الحقول والميادين.
هذا عن العادات والتقاليد بصورة عامة،ولكن بقيت نقاط مهمة لا بد أن أشير إليها وهي أنه يجب أن نعلم أن الشيء ـ أي شيء ومنه تغيير بعض العادات والتقاليد ـ لا يمكن أن يحدث ويتحقق دفعة واحدة،بل لا بد فيه من التدرج شيئا فشيئا إلى أن يتعود عليه المجتمع فيؤمن به.
وعليه يجب أن لا نستغرب ما نراه من تباين الآراء, واختلاف وجهات النظر في كل شيء جديد على الساحة، لينقسم الناس فيه إلى قسمين ما بين مؤيد ومعارض.
فهذا أمر طبيعي ناتج من اختلاف العقول،ومستوى الإدراك،ومنهجية التفكير،بل ومن اختلاف النظرة إلى ذلك الشيء،فهذا ينظر إليه من زاوية فيراه حسنا فيدعو إليه،وذاك ينظر إليه من زاوية أخرى ،فيراه سيئا فيقف في وجهه،ويحاربه بكل قوة.
وكمثال على ذلك عمل المرأة خصوصا في الأماكن المختلطة كالطب مثلا،فهذا قد ينظر إليه من زاوية أنه يساعد المرأة على تحقيق ذاتها،وبناء نفسها،ويصنع منها عضوا فاعلا في المجتمع,كما أنه يحل مشكلة عرض المرأة نفسها على الرجال الأجانب.
وذاك قد ينظر إليه من زاوية أنه يساعد على انعدام العفة وقلة الحياء،وربما أوصل إلى المحرم،ويبرر موقفه هذا بأنه ليس ضد عمل المرأة في المجالات الطبية،وإنما هو ضد عملها المختلط فقط،ولذا فهو لن يمانع لو كانت هناك مستشفيات خاصة بالنساء مثلا.
ووفق اختلاف النظرتين سيختلف الموقف من عمل المرأة في الأماكن المختلطة، وسيظل الصراع قائما بين الفريقين،إما إلى أن تتغير نظرة أحد الطرفين فيتغير موقفه،وتتبدل قناعاته إلى حد أن تتحد الآراء التي كانت متباينة،أو أن الصراع سيظل مستمرا بين الفريقين إلى أن ينقرض جيل ويأتي جيل آخر يكون قد تعود على ذلك الشيء فيقره.
ومسألة أخرى تتعلق بهذه الأمور،وهي مسألة النفسيات ومدى قابليتها لتقبل الأشياء بغض النظر عن الأحكام الشرعية،والقناعات العقلية والفكرية،فليس كل ما يوافق الشريعة،أو يقره العقل،يكون سهلا على النفس القبول به.
فقد يصل زيد من الناس إلى القناعة الفكرية والعقلية الكاملة بعمل المرأة في الأماكن المختلطة،لما هو متأكد منه من أن ذلك يساعد على حل الكثير من المشاكل المتعلقة بالمرأة على وجه الخصوص،بل ولما في ذلك من إتاحة الفرصة للمرأة لتكون عضوا فاعلا في الحياة،ولكنه على مستوى النفس يرى نفسه غير متقبلة لهذا الأمر،لما يساورها من مخاوف هو يتوقع حدوثها،مما يجعله يعيش صراعا حادا بين عقله ونفسه قد يمضي حياته كلها دون أن يحسمه،بل ربما صراعه صرعه فقضي عليه، أو أوصله إلى حد الإصابة بالأمراض العصبية والنفسية.
وبناء على كل هذا لا يصح أن نتهم من يرى ضرورة عمل المرأة في الأماكن المختلطة بأنه متفسخ من القيم والأخلاق مارق من الدين....أو ما شابه ذلك من أحكام يصل البعض إلى حد التطرف في إصدارها،كما لا يصح أيضا أن نصف من لا يؤمن بهذا العمل بأنه رجعي أو متخلف،خصوصا لو كان ذلك نتاج الصراع بين الفكر والنفس،الذي يجعله ـ أحيانا ـ يقبل بعمل المرأة الأجنبية ويدعو إليه،وفي الوقت ذاته يرفض هذا الأمر لمن هن تحت ولايته وسلطانه.
كذلك يجب أن لا نغفل المكانة الاجتماعية للآخرين، فربما هذا العمل أو ذاك الفعل ـ أعني أي عمل وأي فعل ـ يناسب هذا لأنه من طبقة اجتماعية معينة،ولا يناسب الآخر لأنه من طبقة أخرى موقعها يفرض عليها ما لا يفرضه على الآخرين.
جديد الموقع
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي