2025/03/14 | 0 | 1050
ليالي الاحساء الرمضانيه
كتبت هذا المقال وأنا في بحر كرم جيراني حيث لا تمر لحظة في هذا الشهر الفضيل إلا وأشعر بدفء المحبة التي تسري بين البيوت كما تسري نسائم شهر رمضان المبارك في ليالي الأحساء ها أنا أكتب وكأنني أعيش كل تفاصيل هذا الكرم العفوي الذي يمتد بين الجيران كخيط من نور يجمع القلوب ويؤلف بينها في شهر رمضان الأحساء لا تعرف معنى الأبواب المغلقة ولا تعرف الموائد المكتفية بأهلها وحدهم بل تمتد كأنها يدٌ حانية تُطعم كل من يقترب
حين يهلّ الشهر الكريم على الأحساء يتحول كل بيت إلى خلية نحل لا تهدأ تجتمع العائلات حول الموائد العامرة وتتناثر الروائح الزكية في الأجواء كأنها تبشر القلوب بموسم من الخير والعطاء وقبل أن يصدح الأذان معلنًا لحظة الإفطار تتحرك الأيدي الطيبة في كل اتجاه يخرج الأطفال من البيوت يحملون أطباقًا مغطاة بعناية وينطلقون نحو بيوت الجيران والأقارب يطرقون الأبواب بفرح فتُفتح لهم الأبواب بالابتسامات والدعوات
في كل بيت هناك قصص للطعام الذي يُهدى ليس مجرد طعام بل هو رسالة حب ودليل على الكرم الذي يسكن هذه الأرض بعض الأطباق تأتي محملة برائحة الهريس والبعض الآخر تفوح منه نكهة الثريد وهناك من يقدم السمبوس واللقيمات المغطاة بالدبس الخلاص تسير هذه الأطباق من بيت إلى آخر وكأنها رسل محبة تنقل معها طيبة القلوب وصفاء النوايا
لا أحد في الأحساء يفطر وحده ولا مائدة تكتمل دون أن تكون ممتدة لغير أصحابها فالكرم هنا ليس عادة بل فطرة وموائد شهر رمضان لا تُعد فقط لأهل البيت بل تظل جاهزة لاستقبال أي عابر سبيل أو ضيف مفاجئ وربما يجلس على المائدة شخص غريب أصبح في لحظة واحدة جزءًا من العائلة فلا يشعر أحد بالجوع ولا تمر لحظة إفطار دون أن يكون هناك من يتبادل الطعام أو يتقاسم لقمة بحب
بعد الإفطار يبدأ أهل الأحساء فصلًا جديدًا من الألفة والروحانية حيث يجتمع الناس على موائد القرآن الكريم يتلون آياته في المساجد والمجالس والمنازل ويستمعون إلى تلاوات عذبة تملأ الأجواء بالسكون والطمأنينة كبارًا وصغارًا يتحلقون حول المصاحف ينصتون بخشوع وكأن كل بيت يتحول إلى مدرسة إيمانية يحيون فيها قلوبهم بنور الذكر والعبادة وتكون هذه المجالس فرصة لتعليم الصغار فضل القرآن في رمضان ولتقوية الروابط الروحية بين أفراد العائلة والمجتمع
وأذكر في هذه المجالس الرمضانية كيف كان والدي المرحوم الحاج علي الشيخ أحمد الطويل رحمة الله عليه صوته يصدح بتلاوة القرآن في هذا الشهر المبارك كأنه نهر من النور ينساب في المجالس صوته كان يملأ المكان بخشوع وسكينة وكأن كلماته تعانق القلوب فيحييها كان يجتمع حوله الأهل والأصدقاء يستمعون بخشوع لتلاوته التي تبعث الطمأنينة في النفوس وتضيء ليالي شهر رمضان بوهجها الإيماني وفي الشوارع تنتشر عربات البليلة والكبيدة تفوح منها روائح شهية تجذب المارة فيتجمع الناس حولها يطلبون أكواب البليلة الساخنة المتبلة بنكهاتها اللذيذة أو أطباق الكبيدة الطازجة التي تُطهى أمام أعينهم وسط أجواء رمضانية نابضة بالحياة هذه العادات ليست مجرد تفاصيل بل هي جزء من هوية المكان وامتداد لعادات الكرم التي تسكن أهل الأحساء ومع اقتراب ليلة النصف من الشهر الكريم تعيش الأحساء فرحةً خاصة حيث يبدأ الأهالي بالتهيؤ لليلة القرقيعان ذلك الفلكلور الشعبي الجميل الذي تتوارثه الأجيال بحب وتنتشر البهجة في البيوت والأحياء مع استعداد الأطفال لحمل أكياسهم الملونة وارتداء الملابس التراثية استعدادًا لهذه المناسبة التي تصادف ذكرى ولادة سبط النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كريم أهل البيت الإمام الحسن المجتبى عليه السلام فتتعالى الأناشيد والتواشيح قرقاعون وتغمر الفرح قلوب الصغار والكبار يطرق الأطفال الأبواب مرددين تلك الكلمات التراثية فيما يستقبلهم الأهالي بالحلويات والمكسرات ويغمرونهم بالدعوات بالخير والبركة
قرقيعان وقرقيعان بين اقصير ورميضان
عطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم
يا مكة يا المعمورة يا أم السلاسل والذهب
إنها ليلة تجمع بين البهجة والروحانية وتحمل في طياتها أجواء المحبة والمودة التي تميز أهل الأحساء
في الأحساء لا تكون الموائد وحدها عامرة بل القلوب أيضًا تمتد روح التكافل في كل زاوية وكل شارع في الأيام الأولى من الشهر الكريم تبدأ الأسر بتجهيز وجبات المسجد وآخر يرسل طبقًا إلى بيت يعلم أن صاحبه لا يستطيع الطهي وهناك من يدعو جاره الذي يسكن وحده ليشاركه الإفطار وكأن الشهر الكريم يجعل الجميع أقرب
وحين يحل الليل لا تتوقف معاني الكرم تظل القهوة العربية حاضرة في المجالس ومعها التمر والحلوى الرمضانية يجتمع الرجال يتحدثون عن الأيام المباركة والنساء يتهيأن لليلة جديدة من الطهي والتجهيز لصيام الغد وبين هذا وذاك يبقى الشعور بالألفة والتراحم هو ما يجعل شهر رمضان في الأحساء ليس مجرد شهر من الصيام بل فصلًا من العطاء الذي لا ينتهي
شهر رمضان في الأحساء ليس حدثًا عابرًا إنه قصة تُروى عن الكرم الذي لا ينضب والموائد التي لا تُرفع دون أن يكون لكل محتاج نصيب والبيوت التي لا تُغلق في وجه الجائع والقلوب التي لا تعرف البخل يومًا في كل عام تتكرر هذه القصة وتزداد إشراقًا كأنها تكتب نفسها من جديد بأيدي أهلها الطيبين الذين جعلوا الكرم أسلوب حياة وليس مجرد عادة.
جديد الموقع
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية