
الأمطار في الأحساء شتوية و ربيعية و هي في المجمل , تبدأ تباشيرها في نوفمبر عادة , و تستمرّ احتمالية سقوطها طوال الشتاء , ما بين 7,53 ملم إلى 13,71 ملم في السنوات العشرين الأخيرة .
و كانت الأمطار تبدأ عادة في الخريف فيما يعرف العرب بنوء سهيل ,و الذي عادة إن حدثت فيه الأمطار تكون وفيرة و نافعة .
و من أنواء المطر ( الوسمي ) و هو الذي يلي ( سهيل ) مباشرة .و كذلك السماك ( الوسمي الثاني ) .و الزبانا و و يعرف بالوسمي الرابع و من نجم الإكليل من و يبدأ عادة من 17 ديسمبر ,
و كذلك سعد بُلع ( يبدأ من 23 فبراير ) .و أمطاره كثيرة في العادة , و كذلك سعد السعود (
و السّماك , و مطر السرّايات يعد آخرها و هو مطر الربيع و عادة إما يأتي بغزارة أو يفسد كما يقال و يكون عواصف غبارية , و يمكن مراجعة الجداول و التقويمات للاستزادة منها .
ذكريات وسلوكيّات مرتبطة بنزول المطر :
يروي الشيخ أحمد بن زين الدين -أعلى الله درجته- ( 1166هـ - 1241هـ ) :
( و على رأس السنتين من ولادتي , جاء مطر شديد , و أتت بلادنا سيول من الجبال * , حتى كان عمق الماء في المكان المرتفع من بلادنا ذراعين و نصف , و في ذلك اليوم تولّد المرحوم المبرور أخي الشيخ صالح ...) .
ويتحدث الرّاوية الأحسائي الحاج علي بن عبدالوهّاب المرزوق – الهفوف - :
( في سنوات طفولي و شبابي كانت أغلب السّنوات مطيرة , و قد يمتدّ نزول الأمطار ربّما لأكثر من أربعين يوما لا نكاد نرى الشّمس فيها , و يكون هطوله متدرجا بين السّچّ - المطر الكثيف و بين النّميلي – رذاذ خفيف جدا – و كان الناس يخشون هذا النوع الثاني لأنّه يتسرّب في نسيج البناء الطيني بالتدريج مما يجعله ليّنا , و تتعرّض البيوت للإنهيار جرّاء ذلك .)
الشيخ الحاج حسن البقشي –بو منير –
( كان موسم هطول المطر , موسم عمل جماعيّ , فيجنّد كلّ أفراد المنزل رجالا و نساء و أطفالا في العمل لوقاية البيت من آثار المطر بالأطفال يقومون ب( بخش ) المرازيم ( الميازب ) و المصنوعة من جذوع النّخل , للتأكّد من عدم انغلاقها و بالتالي تجمّع المياه في الأسطح , كما تقوم النساء بالمساعدة في كسح الماء و دفعه لخارج البيت أو باتجاه العين داخل المنزل , كما يقوم الرّجال بالتّشمير عن ثيابهم وضع قطع الخيش على رؤوسهم بشكل مخروطي يمتدّ لظهورهم , و التثبير ( عمل الثبارى في وسط السكك التي تطلّ عليها البيوت ) و هذا الأمر ينطبق على جميع البيوت تقريبا , و بالتالي يكون العمل جماعيا من كلّ أفراد الفريج , بل كلّ الفرجان في الهفوف , حيث يكون كلّ أهل سكّة مسؤولون عن إخراج مياه الأمطار عن سكّتهم و البراحات المطلّة عليهم و دفعه إلى أقرب مكان للتصريف , و كنّا في سكة السوابيط ندفع المياه باتجاه شارع السويق العام , الذي كان أقل منسوبا من سكتنا , بالتالي ينحدر الماء باتجاه سكّة الشطيّب التي توجد بها عين عطيّة التي كانت تبتلع كلّ المياه التي تندفع لها , لذا اشتهر المثل أو الدعوى التي تقول ( عين عطية تبلعك ) .
السيّد حسن العبدِالله المبارك - المبرّز - :
( أتذكرّ جيدا مشاركة جميع أهالي فريجنا – الشّعبة بالمبرّز- في التّثبير لمياه الأمطار و دفعها إلى البراحات كبراحة اليوسفي و القوّارة , المصبغة و العويزمي خارج السكك ,ثم التثبير لها خارج البراحات ,حيث يدفع الماء تجاه عين دليّل بجوار مستورة- وقف البحراني - شرق فريج الشّعبة حيث كانت هذه المنطقة دوغة يستخرج منها الغرّاشون الطّينة التي تصنّع منها الفخّاريات الحساوية ولذا يكون مكانها وهدات منخفضة تتجمّع فيها مياه الأمطار و تغدوا أشبه بتجمّاعات مياه العيون و هذه المياه بعد توقّف المطر يستخدمها الصّاغة لغسل الذّهب , و بعد جفاف هذه المياه يتحوّل لسبخة و مملحة يأتي إليها بعض أهالي الكلابية و المقدام لاستخراج الملح منها .
و قد كان تثبير المياه ربما سبّب حساسية و مشاكل بل و عراكات بين أهالي الفرجان كما حدث بين أهالي الشّعبة و العيوني , في إحدى السنوات حين قام أهالي العيوني بدفع المياه تجاه الشّعبة , على غير المعتاد حيث كان يدفع قبلها تجاه المجابل , و السّبب هو أنّ هذا الأمر يسبّب عبئا إضافيا على أهالي الفريج الآخر .)
الحاج محمد العلي البقشي :
( بعض البيوت كانت مرازيمها تصبّ في بيوت الجيران و هذا الأمر يثبت في صكوك و مبايعات هذه البيوت – كحقّ ارتفاق - و يكون مسؤولين عن إزاحة مياهه .)
المؤرخ الحاج جواد الرمضان :
( أتذكر مشهد مشاركة جميع أهالي البيوت في فريج أهلي _ الحويش بالرفاعة – و كان كلّ فرد يستخدم قدّوما , أو سخّين و يثبّر أمام منزله , و من يتخلّف عادة عن المشاركة في هذا العمل الجماعي يكون موضع نقد و استهجان , وقد كانت مياه الرفاعة و السويق تدفع بإتجاه عين عطيّة .
و مع تصاعد أنشطة المجلس البلدي في السبعينيات الهجرية , فقد اقترح الأعضاء اضطلاع البلدية بمهمّة تثبير مياه الأمطار بالاستعانة بعمّال البلدية و الذين كانوا حينها من المواطنين )
الأستاذ محمد بن حسن المهنّا - المبرّز - :
( في مطلع الثمانينيات الهجرية , كانت الأمطار تهطل بغزارة شديدة شتاء , لذا كنّت و أصدقائي نخرج للتفرّج على تلك المياه التي تتجمّع بين منطقة عين مرجان إلى الصّفية - المنطقة تقع الآن في موقع شارع النجاح بين الهفوف و المبرز حاليا - حيث كانت هذه المنطقة تمتلأ ببعض الهضبات الصخرية و كانت المنخفضات بينها تمتلئ تماما بالمياه لأمتار عديدة فتصبح تلك الهضبات جزرا متباعدة, لذا كنت و بعض أصدقائي نتنافس على السباحة و الوصول إلى عمقها ( نصكّ الأرض ) و نتنافس في أخذ قبضة من تراب تلك الأرض للدلالة على الوصول إليها .) .
الحاج محمد الزهر اليوسف –البطالية - :
( كانت كثير من بيوت القرى عبارة عن عشش من جريد النخل , و يقوم أصحابها بالاستعداد لنزول المطر بجزّ بعض الحشايش مثلّ المصّيص , والنّبخ و التي كان الأهالي يجزّونها من الأوجام القريبة من قراهم و يقومون بوضع البواري و الحصر على الأسطح و مع ذلك كانت هذه العشش تسرّب المياه و في حالة هطول أمطار كثيرة جدا لا تستطيع هذه العشش , مقاومتها ينتقل أرباب العشيش إلى بيوت أهاليهم و جيرانهم من أرباب بيوت الطين .
و يلاحظ الأهالي ارتفاع منسوب المياه في العيون و الثبارى شتاء و يزداد هذا الارتفاع بعد هطول المطر و يكون لتدفق المياه صوت هادر ) .
المهندس عبدالله الشايب - الجبيل - :
( كان موسم نزول المطر من المواسم البهيجة للأحسائي , فنزوله رحمة و فوائد جمّة له فالنخلاوي , يستبشر كثيرا لذا كان الآباء يستقبلونه بأهازيج التهليل و التكبير و التي كانت تنشدّ مموسقة سبحان الله و الحمد لله و لا أله الله و الله أكبر ,و يرددها الأهلون بأصوات جميله محببة , و قد يقوم البعض برفع الأذان استبشارا و استئناسا بالحدث البهيج .
بينما يردد الأطفال أهازيج المطر مثل :
طاح المطر على قطر وتلايموا في العشّة !
و اكلوا حريرة و نشا .
و في ذات الوقت يبدأ موسم من العمل الجادّ في كلّ القرية بالتثبير أو حفر الشرب وسط السكك و الطرق و هو عمل ذكوري محض ,و الذي كانت مهمته دفع الماء عن الجدران كي لا تتعرّض للّيونة و التي هي خطرة عليها فالطين شبه الصّلب الذي يدفع تجاه الجدران يزيدها صلابة و يدفع الماء تجاه الجهات الأقل ارتفاعا و التي تندفع منها إلى الثبارى أو المجاز( الجزّانيات و هي بقاع منخفضة تتجمّع فيها المياه و تنبت فيها العقربان و تكون قريبة من البيوت في العادة و تطون نسبة الملوحة فيها عالية بسبب تبخّر المياه و تراكم الأملاح فيها –
كما كان بخاش المرازيم من الأمور المهمّة و لتأمين عدم انسدادها , ببعض الأوساخ خشية تجمّع المياه على السطح و التي تكون خطرة جدّا .و عادة تصنع المرازيم من جذوع النخل ّ و تشذّب بحيث تسمح بانسياب الماء بسهولة أمّا الأثرياء فقد يركبون مرازيم من الخشب و قد تعمل فيه بعض النقوش الخفيفة ثم في أوقات لاحقة استعيض عنها بمرازيم من التنك .
كما كان تفقد الحوش و البهائم و التي قد يتسبب المطر في أذيتها و قد تكون مضطربة بسبب هذا الحدث و قد تتراكم كميات من الماء في الحوش فتكون من مهام صاحب البيت و بمساعدة الزوجة تثبير تلك المياه إلى البالوعة و التي تكون مجاورة للحوش عادة .
و للوقاية من هذا الأمر يعمد البعض لبث كميّة من الرمل قبل موسم نزول المطر .
هطول الماء الكثيف و الذي يعرف بالسچّ يستبشر به اهل النخيل لأنه يغسل النخيل و الأشجار و يغرق الحشرات الضارة بين الكرب , كما يساعد على تليين اللّيف لموسم التّمشيع ( نزع اللّيف ) كما يجعل أطراف السعف ليّنة و يسهلّ عملية ( التسحيت = الجنامة = نزع الأشواك من أطراف السعف القريبة من قلب النخلة لتسهيل أعمال التنبيت و العمليات اللاحقة ) كما يساعد على تليين قلب النخلة مما يساعد على خروج الطلّع ( الهرا ) .
و أتذكر أنّ موسم الأمطارقبيل قيام مشروع الرّيّ و الصّرف تفيض الثبارى ( الأنهار ) و قد تكون الأراضي ريّانة أصلا فيقول النخالوة ( تلاقت التلول ) أي أن الماء غطّى المجاري الصغيرة و الغدران حتى تلاقى الماء بالماء و تلاشى الفروق بينها
, و قد تحدث الفيضانات حيث تتحوّل المناطق الزراعية لأهوار خاصّة في وادي العمران فيكون الوضع شبيها بالوضع في جنوب العراق و يستمر الحال هذا أسابيع لذا كان , و يمكن تصوّر مشي الأبقار و الدواب , و تعسّر مشي الأفراد وسط هذا الوضع .
و في تلك الفترة تحط الطيور المهاجرة في مياه الأصفر الذي كان اكثر اقترابا إلى العمران و يبدأ البواردية في اصطيادها , و تزداد هواية ( التحرسن = صيد الأسماك الصغيرة و المتوسطة ) لدى أهالي العمران .
امّا المناطق المنخفضة و المجازّ فتتراكم فيها المياه و تتحوّل بعد فترة فيها المياه إلى ضاربة للحمرة و المستغرب أنّ أغلب تلك المناطق لا يتكوّن منها روائح كريهة ربما بسبب اكتمال عناصر الفلورا الطبيعية و التي تجعلها تنظف نفسها بنفسها و بعد فترة تجف و تتحوّل إلى مملحات .
و قد تحدث خسائر لمزارع الخضروات كزارع الخس المكوّر حيث يتسبب السچ في دخول حبيبات الرمل داخل الخس و بالتالي يصير قليل الجودة و قد تتساقط أزهار بعض الخضروات فيتلف المحصول .
و مع كلّ تلك العسورة في الحال , كان الناس يستقبلون هذا الحدث بكثير من الفرح انطلاقا من الإيمان بالقدر , لذا كانوا يستأنسون بذلك الوضع لأن الأعمال في الغالب تتعطّل فيحدث كسر للروتين اليومي المعيشي فتجتمع الأسرة عادة على مشروب ساخن كالزنجبيل و يتسامر أفراد الأسرة على أجواء احتسائه .)
الوجية الحاج عبدالرسول بن علي اليحيى - الجبيل - :
( كان بعض المزارعين يقتطع في البريات القريبة أماكن يبذرها ببذور الحبّ الحساوي – القمح – و ينتظر نزول مطر الوسمي و و الذي كان يهطل بغزارة شديدة فينبت الحبّ و تظهر سنابله بسرعة , كما كان هطول الماء في هذا الطالع يسمح بظهور الفقع و الكثير من النباتات البريّة , و لقد كنّا نلتقط الفقع من البريات القريبة مثل رملة ضويغط , بين الجبيل و الحليلة مقابل مزرعة سلطانه حاليا و في موقع سلطانة الحالي و البراري الأخرى القريبة )
( الحاج محمد بن أحمد الطليحي ) - المبرّز-:
( بعد هطول الأمطار تتكاثر نموّ الكثير من الأعشاب البرية المفيدة , كالبقل البريّ و البصل البري و القلّمان , و غيرها و كانت تقطف و تؤكل كما كنّا نجمع الفقاعة من البراري القريبة .
وقبيل موسم نزول المطر كنّا نحضر كميّة من الطين الأحمر و نقوم برصف الأسطح به لكونه يمنع تسرّب الماء إلى الجدران .
و قد شهدت في مطلع شبابي عراكا بين فلاحي فريجنا – الشعبة – و بين فلاحي العيوني حول تثبير مياه المطر , استخدموا فيها ( العچومات = رسن الدواب ) من اللّيف للتضارب بعد عقسها لتكون صلبة و كانت عراكا مشهودا تدخّل فيه الكثير من العقلاء في النهاية لإصلاح فيما بينهم ) .
· المهندس عبدالمحسن البقشي - الهفوف - :
( في نهاية السبعينيات كان أحد أصدقائي يعيش مع أسرته في بيت عربي قديم متهالك في الرقيات – الهفوف – و مع نزول المطر كانت والدته تبتهل إلى الله و قد نشرت المصحف , كتب الأدعية فتارة تقرأ من كتاب الله و تارة تبتهل بالأدعية , خشية أن يسقط هذا البيت المتهالك على رؤوس أطفالها , و سبحان الله ما أن غادروا ذلك البيت حتى انهار و سقط في نفس الأسبوع ! ) .
(و كان نزول المطر يلقي بأعباء إضافية على الصبيان , و هم العمال المستأجرون للعمل طوال السنة بأجور معلومة تكون في الغالب مبالغ زهيدة من المال تدفع له كلّ خميس من كلّ أسبوع و مع كسوة كلّ عيد و مساعدة عينية في موسم رمضان , و غيرها , هذا العبء الإضافي يجعل الصبي في الغالب يكسب الموقف تجاه ربّ العمل فيجدها فرصة سانحة لتحسين أجرته , لذا جرى المثل :
( المطر مطّر , و الصبي قنطّر , إمّا الشّرط و إلا الصبي يظهر !!؟) .
و ليس موسم المطر هو الموسم الوحيد الذي يمكن أن يطالب به الصبي أو الأجير تحسين وضعه , فموسم النبات ( التأبير ) لأن صاحب النخل يكون في أزمة و ضيق في وسط هذا الموسم لذا درج فيه مثل رديف للسابق يقول ( الزّهر زهّر و الصّبي فهّر , إمّا يزيد الشرط , و إلا الصّبي يظهر !!؟؟) .
و غالبا يستجيب ربّ العمل تحت تأثير ضرورة العمل و حاجته للإنجاز السريع و الفوري , للرضوخ لرغبة الصبي .
حوادث و أصابات :
أشرت في مطلع الموضوع لخطورة المطر النميلي , حيث يكون المطر في هذه الحالة خطرا جدا حيث يتشربّ ببطء داخل نسيج المبنى الطيني و يسبب انهياره , و قد كان هذا المنظر مشهورا , قد رصد الرواة انهدام الكثير من الدور في الهفوف أو المبرّز والقرى .
و قد خلّدت أهزوجة كانت ترددها أحدى السيدات من فريج الرقيات إحدى مواسم النميلي و هدمت فيه الكثير من دور فريج الرّفاعة بقولها :
النّميلي هدّم الدّور و هدّم دار منصور .
في إشارة لبيت الوجيه الحاج منصور الرّمضان ( ت ) التاجر و عمدة حي الرفاعة في زمنه .
و قد ينشأ عن ذلك الهدم وفيات , و إصابات حيث يذكر أنّ أحد العلماء من سادة المبرز اصيب إصابة دائمة في ظهرة بسبب سقوط بارقة ( الجزء المظلل من الحوش – الحظيرة -)
كما توفيت أحدى السيدات من العمران الجنوبية في الستينيات الميلادية إثر انهيار منزلهم جراّء هطول المطر .
أهازيج المطر :
يعدّ موسم نزول المطر متّسعا للأطفال للّعب الماء و التطيين خاصة بعد توقف هطوله .و في أثناء نزول المطر قد يردد الأطفال بعض الأهازيج مثل :
( طيح طيح يا مطر , و أعطيك حبّ البطّيخ ! ) .
( يالله بسچّه كبر الدچّه , و تسيّح المرازيم !) .
( طاح المطر على قطر , و انهدّت العشّة ! ) .
( بعير قطر يحبّ العشب, أو يكره المطر ! ) .
أمّا إذا ظهرت الشمس بعد هطول مطر شديد تأذّى من تبعاته الأهالي فيردد الأطفال
( طلعت أمّ شبيّب ياعلّها ما تغيب ! ) .
و في أثناء طفولتنا إبان نهاية السبعينيات الميلادية و بداية الثمانينيات كان الشائع هذه الأهزوجة :
طاح المطر على الطين
الله يخلّي فلسطين .
فلسطين بلادنا .
و اليهود كلابنا !.
دقّوا على بابنا .
رفسناهم برجولنا .
و لا أعلم سرّ قطر هل المقصود فقط الاتيان بالسجع فقط ؟ أم المقصود بها قطر البلد ! أو أن الماء سقط على قطرات ؟
و لا أخفى أنّ اطلعت على في بعض أهازيج الأطفال كانت تتعرّض لبعض الرموز الاجتماعية كالعمد و بعض الاقطاعيين في بعض الحقب الماضية , و تهزأ بهم و ربما كانت تلك المناسبات تفرض جانبا كاريكاتيريا ينفّس فيها الأطفال عن هموم الآباء .
و نظرا لأنّ أغلب الشوارع في الأحساء لم تكن معبّدة و فإنّ الأعمال تتعطّل إلا الضروريات , لصعوبة المشي بين الطين و الوحل و ما يكتنفه من خطورة الانزلاق .
و قد ذكرت الوالدة أنّه في الستينيات الميلادية بدأ انتشار النعال البلاستيكية ( الزنّوبة ) لذا من المشاهد المألوفة انغراز النعل في الأوحال و تركها فيغدو الطريق مسربا لشريط من النعل البلاستيكية المنغرسة في الطين .
و بسبب تعطل الأعمال ينخفض سعر بعض السلع كالجت و اللّحم لذا قال المثل ( كأنّه قصاب منكسر ) لأن القصاب يقع في مأزق بعد ذبح الذبيحة لأنه يكاد ينعدم خروج المتسوّقين بسبب الأوحال , خاصة أنّ وسائل الحفظ الثلاجات غير متوفرة كما يزيد سعر الرمل الذي عادة يطلب لردم الطين .
و قد ذكر رجل الأعمال الأستاذ باسم بن ياسين الغدير- الهفوف- أنّ والده المرحوم الشيخ ياسين الغدير قد تولّى بعض الأعمال البلدية في بداياته و كان جلّ العمال من المواطنين فإذا نزل المطر تعسّر تحريك الآليات فيسرّحهم الشيخ ياسين , لكنهم هم الذي يصرّون على العمل و قد يذهبون لبيته مطالبين بذلك بقولهم(عندنا عيال نكدّ عليهم نريد العمل !.
· تحرص ربّات البيوت على وضع الطّشوت في السّطح عند بدأ نزول المطر لتجميعه و شربه .من باب التبرّك برحمة الله , رغم أنّه يقال أنّه ( يهوي ) أي يسبب الإصابة بالبرد .
· و يزداد حرصهم أكثر إذا احتوى المطر على البردي ( البرد ) .
· المولود الذي يولد في ليلة مطيره , قد يسمّى ( مطر ) إن كان ذكرا أو ( مطره ) إن كانت أنثى تحبّبا و لربط الولادة بهذه الحالة , كما أنّ المولّدة – القابلة – تكرم بشكل أكثر حيث تكون قد تكبّدت جهدا إضافيا في مثل هذه الحالة .
· قد يعبث بعض الأطفال بالجلوس تحت المرازيم , أو السّباحة في البرك التي تنشأ جرّاء تجمّع المياه .
و في الأمثال و الأقوال السارية :
( إذا دلق سهيل لا تامن السيل ) .
( ان جاد النيروز , فسدت السرّايات ) .
( المطر طلّع الفقع في راسي ) .
و مرّت غيرها في طيات الموضوع .
سنوات فيضان :
اشتهرت بعض السنوات بحدوث فيضانات عارمة تسببت بوفيات و أضرار فادحة كسنة الهدّامة ( 1353هـ ) و عمّ هذا الفيضان جلّ مناطق الخليج و أدى لأضرار فادحة , وكان بعض المسنين كالشيخ علي أل شبيث رحمه الله يتذكرون تلك السنة و قد هدمت فيها بيوت كثيرة في فريج الرقيات وفرجان أخرى , لكنّ الرقيات تأثرت أكثر نظرا لانخفاض مستواها عن سطحها .
المطر في الشعر الأحسائي :
المطر مقرون بالخير لذا يتمنى الشاعر دائما أن يمطر الله أرض محبيه غدقا , كقول الشيخ موسى بن عبدالله بو خمسين ( ت 1353هـ )
يا ربّ تسقي الماجدية من السيل سبع ليال ما يونّد مطرها .
و هي غزلية شديدة العذوبة , للأسف كانت ترويها إحدى الأمهات و توفيت قبل أن أسجلها منها .في رمضان الفائت .
وقد يسجّل الشاعر الأحسائي بعض الظاهر المرتبطة بالمطر , بشعره مثلما أثار نزول المطر هذا العام 1435هـ ,و تدنّي الاستعداد لمواجهتها مؤخرا حفيظة الشعراء
و من لطيفها ما كتب الشاعر الكبير الأستاذ ناجي بن داوود الحرز في هذه المفارقة و تحوّل نعمة المطر إلى نقمة و اضطرار الوزارة لإعطاء اجازة مدرسية طارئة : بعنوان ( وا غوثاه ) :
تدغدغنا البشاشة و الوناسهْ و تأخذنا الحماقة و الحماسهْ .
و أحرى أن نضجّ أسىً و حزناً إذا ما قيل عُطّلت الدّراسه .
أمنكوسين نبقى لا نبالي ... فنكشف سرّ تلك الانتكاسه ؟ .
مدارسنا على دغش أقيمت قواعدها النذالة و الخساسه .
حوائطها التآمر و التراشي و أسقفها الّلعانة و الطفاسه .
فإن جاد السّحاب لنا بماء طهور عرّيت تلك النّجاسه .
فنوم في البيوت يكون سترا يرقّع لابن فاعلة لباسه .
و ( ماسور ) لتصريف المجاري ( كشيء)العجل إن رمنا قياسه .
إذا مرّت به ( صغرى , وكبرى ) دهاه الضّغط و انعفس انعفاسه !.
و صاح رجوتكم ( بالسيّد) صفّوا ! فما أحلى الرّكادة و السّلاسه .
يذكّرني مجاري الهند يمشي بها( سكسٌ ) بلا أدنى انحباسه .
فلا يضطرّ أن يطوي جناحا ! ( ببيب ٍ) أو يطئطئ فيه راسه .
فيا غوثاه من حال تعيسٍ و منه تعوّذت حتى التّعاسه .
إذا كان المحكّ هو المجاري فماذا سوف يبقى ( للتياسه ) .
و قد لاقت القصيدة السابقة انتشارا واسعا عبر وسائل التواصل الاجتماعية .
و هذا لا يقدح بما للمطر من جماليات طبيعية رائقة في الأحساء .
وفي ذات أصيل كنت مع صحبة ضمت أساتذتي ( المهندس عبدالله الشايب و الأستاذ ناجي الحرز , و سندباد القصيدة الأحسائي الشيخ يحيى الراضي والناقد الأستاذ حمزة الحمود في مزرعة الروائي الأحسائي الأستاذ حسين العلي نستمتع بجماليات الطبيعة و بمنظر الدرس العملي الذي كان يقدّمه استاذ البناء الحساوي الحاج ابو يوسف المصرنده , لمجموعة من متدرّبي مركز النخلة للصناعات الحرفية , فأثار جمال الطبيعة بعد سقوط المطر و كتبت هذه الأبيات -مجاريا أبياتا سابقة لأستاذي ناجي بن داوود الحرز -:
قلّ للخمائل في رُبى الأحساء رفقا بالملائكْ
فالتُرب حين تنزّلوا يهدونه من فيض مائكْ
شرقوا به فسّاقطت حبّاته درراً, سبائكْ .
و سرت لحونا غرّدتها الحور في عالي سمائك .
يا نفحة قدسية عرضت لتنجي من بلائك
مرّي عليّ فإن أحشائي تلظّى من خفائك ْ
و استنقذي حرفي الذي يهفو إلى صافي سنائك .
هيّا احملي أوجاعه و رميم أمنية اشتهائك .
صوغي بهن الأحجيات الصمّ من وحي انتمائك .
و دعي الدّروب صريعة الأفكار تنزف من ورائك ْ .
· من المعروف أن الشيخ الأوحد من أهالي المطيرفي , و ربما أن الجبال المقصود منها جبل أبو الدلاسيس , و الواقع إلى الغربي من طريق الدمام حاليا , و يرى العم العلامة الشيخ باقر بو خمسين رحمه الله أن الشيخ ولد في قرية دارسة حاليا كانت تقع جوار ذلك الجبل , ثم انتقل إلى المطيرفي لاحقا
· كتب :
· شمس هجر ,سيرة الشيخ أحمد الأحسائي : الشيخ عبدالله الشيخ أحمد . تحقيق أحمد بو شفيع .
· التقويم القطري .
·
· كتبت هذا الموضوع تلبية لاقتراح سعادة الأستاذ الدكتور محمد بن علي فضل المحمد صالح -حفظه الله- فأرجو أن ينال استحسانه .-