2014/09/30 | 0 | 1301
العقل والعاطفة ..في الشعائر الحسينية
قد نختلف في ترجيح كفة أحدهما ، لكننا متفقون على أن مصدر العقل والعاطفة هما دماغ الإنسان حيث تجري جميع عمليات الإدراك والفهم وبالتالي إطلاق الأحكام.
تشريحيا يتألف دماغ الإنسان من عدد مذهل وغير معروف تماما حتى الان من الوظائف المتشابكة شديدة التعقيد.إلا ان المختصين يحاولون تبسيط فهم الدماغ وتقسيمه إلى جزئين متنافسين الاول جزء عقلاني والاخر عاطفي أو إنفعالي .و الحقيقة هي ان الدماغ اشد تعقيدا من هذا التقسيم.
لكن سنعتمد هذا التقسيم هنا لسهولته وسرعة استيعاب مفاهيمه.
للفريق العقلاني مؤيدوه من الفلاسفة والمتكلمين والمشرعين كما للفريق العاطفي أيضا.
ويزعم أنصار كل فريق أحقيته في تحديد الصواب والخطأ في اﻷحكام والقرارات والموقف اﻷخلاقي .
لذلك قام فريق من الباحثين بقياس الحس اﻷخلاقي لتحديد الصواب والخطأ في عدد من المواقف لاختبار مزاعم الفريقين .
ويذكر د.ديفيد إيجلمان في كتابه (المتخفي Incoginto) احد هذه الاختبارات وهو ما يسميه الفلاسفة :معضلة العربة.
- تخيل المشهد التالي:
ثمة عربة قطار منفلتة مسرعة على قضبان سكة القطار لايمكن التحكم بها.وثمة خمسة عمال يصلحون بعض أجزاء السكة في طريق العربة المنفلتة ، ثم تجزم انت المشاهد بأن العربة ستقتل العمال الخمسة لكنك تلحظ كذلك وجود أداة تحكم قريبة منك يمكن ان تستخدمها لتغيير مسار العربة إلى مسار مختلف لكن سينتج عن ذلك ان العربة ستقتل عاملا واحدا موجود على ذلك المسار .فماذا ستفعل؟ ( بافتراض انه لا يوجد حلول للوضع باستخدام الحيلة او الصدفة او معلومات مخفاة)
إذا اخترت ان موت شخص واحد افضل بكثير من خمسة فانت واحد من اﻷكثرية التي اخذت هذا القرار وهو قرار ممتاز.
لكن هناك انعطافة لافتة في الاختيارات للمعضلة لو غيرنا في التفصيل قليلا :
تخيل أن العربة نفسها تنفلت على السكة وان العمال الخمسة انفسهم عرضة للخطر لكنك الان تراقبهم من على جسر للمشاة فوق ممر القطار.ثم تلاحظ شخصا بدينا يقف فوق الجسر وانت مطمئن إلى انك لو دفعت هذا الشخص من فوق الجسر فسيكون جسمه السمين كافيا لايقاف العربة وإنقاذ العمال الخمسة . فهل ستدفعه؟
إذا كنت كأكثر الناس فسوف تتسمر عند هذا الاقتراح الذي سيتسبب في قتل شخص بريء.
لكن انتظر لحظة!!
مالذي يميز اختيارك هذا عن اختيارك السابق؟ ألست تستبدل حياة شخص بحياة خمسة أشخاص؟
الان هناك صراع يجري بداخل دماغك بين عدة أنظمة منها الفريقين العقلي والعاطفي . فالحالة الاولى يمكن ان نعتبر اختيارنا الاكثر عقلانية ومنطقية وتم تكبيل الفريق العاطفي ومنعه من الدخول في هذه الحسابات.بينما الحيرة في المعضلة الثانية تكمن حسب د.ايجلمان إلى الاشمئزاز الانفعالي الضروري للتفاعل الاجتماعي في أدمغتنا وتمثل كوابح ضرورية للحجج العقلانية الجامحة .
وعنصرا مهما للبقاء.
قد لا يوافقني البعض عندما أقول ان قرارات الفريق العقلاني المنطقية لا يمكن الوثوق بها و ليست بالضرورة الأكثر صواباً. بل أن هناك قرارات عقلانية ومنطقية تمثل كارثة حقيقية لو أخذ بها.
- خذ هذا المثال :
" أدت الكثافة السكانية للبشر والتي قاربت السبع مليارات نسمة مع سوء استغلال الموارد الطبيعية إلى إحداث خلل في التوازن البيئي ورفع مستوى ثاني أكسيد الكربون وتسبب ذلك في ظهور ظاهرة الاحتباس الحراري الذي أثر بدوره على الغلاف الجوي ، ومن المنتظر حدوث كارثة أرضية قد تتسبب في انقراض أشكال من الحياة على الأرض وتهدد الإنسان نفسه بالإنقراض أو على الأقل المعاناة بسبب نقص الموارد في المستقبل "
هذه معلومة علمية صحيحة .
وليس مخالفا للمنطق العقلي عندما نقول " لا بأس باستمرار الحروب والمزيد من القتل ، أو الزلازل والكوارث لتقليل عدد البشر لإنقاذ الحياة على الأرض وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة من أبنائنا".
وربما ستشعر بالراحة أكثر عندما نضيف هذا الاستثناء :
" بشرط ألا يطبق هذا المنطق علي أو على المقربين مني أوعلى أبناء دولتي " فسيكون قبولها في دماغك وحكمك على هذه الجملة إيجابيا أكثر .
إن مبدأ " أنا ومن بعدي الطوفان "، ليس مخالفاً في الحقيقة للعقل والمنطق كثيراً فأنا أفضل أن يفنى العالم كله ولا أشعر بألم خدش في إصبعي.وما يكبح هذا المنطق هو العاطفة والإنفعال الذي سيرد : " وما ذنب الآخرين ؟ وما هي مشاعرهم ؟ "،وهو ما نعتبره صمام الأمان والسبب الطبيعي للاستمرار والبقاء.
لا يمكن الوثوق بمنطق العقل ، إنها القاعدة الأولى .
لكن هل نثق بالمقابل بالعاطفة الانفعالية؟
سواء وثقنا بها أم لا ، فهي بالتأكيد تمثل الضمان الأكثر للبقاء والإستمرار ، وربما يفسر ذلك استفادة الأديان بشكل عام من الشبكات الانفعالية في الدماغ ، ولا تعطى الحجج العقلية الكثير من الاهتمام خصوصا في ممارسة الطقوس الدينية وهذا ما أعطاها ضمانة مدى الحياة تقريبا للبقاء، فمحاولات الاتحاد السوفييتي -مثلا- للقضاء على الدين لم تحقق إلا نجاحاً هامشيا ، وبمجرد انهياره عادت المظاهر الدينية بأغنى حالاتها.
والشعائر الحسينية لا تكاد تكون استثناءاً ، فغناها الإنفعالي والعاطفي شكل على مدى التاريخ سببا رئيسيا للبقاء ، بل أكاد أزعم أن بقاء المذهب الشيعي بالرغم من قوة حججه العقلية لكنها لم تكن كافية لاستمراره مثلما كانت العاطفة الشديدة تجاه مآسي وآلام أهل البيت عليهم السلام، فرغم التهميش والفقر وحتى الجهل عند بعض المجتمعات الشيعية لم تأثر كثيرا على تماسك العقيدة لديهم، وبالتأكيد بقائهم مرتبط عاطفيا بقضية أهل البيت العادلة أكثر منها حجج عقلية أو منطقية .
وقد لا أكون مبالغاً عندما أقول أن بعض أكثر مظاهر العاطفة عنفاً مثل ( قضية التطبير ) التي شغلت المجتمع الشيعي ، ليست إلا مصدراً إنفعاليا غنياً لن توقفه - مثل باقي الشعائر الدينية - أي حجج أو منطق عقلي ، حتى وإن اختلفت معي هنا أيضاً لكن التجربة والتاريخ هما الحكمان .
وفي نفس الجانب كانت تشغلني كثيراً مجموعة من الأسئلة تجاه القضية الحسينية ، أحدها :
لماذا التركيز على قضية الإمام الحسين عليه السلام العاطفية أكثر من القضية الرئيسية اﻷم ذات الادلة العقلانية والمنطقية ( بيعة الغدير) ؟
فحادثة الغدير نزلت بها أواخر آيات القرآن المدنية وهي الأشد تأكيداً لتبيلغها من بين جميع أحكام الدين : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )
وكانت الإجابة من د.عصام العماد في لقاء تم في مشهد المقدسة ، أشار فيه إلى أن قضية الغدير التي شكلت شكلت البداية الحقيقية للحرب على آل البيت عليهم السلام من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وإلى يومنا هذا ، وكانت تستهدف كل ما يتصل بالعقل والنقل للدلالة عليها فوضعت الآحاديث وحرفت التفاسير وطمس التاريخ في العهود الأموية والعباسية ومن جاء قبلهم وبعدهم ، حتى كان من يذكر مجرد فضيلة لعلي بن أبي طالب عليه السلام تجعل منه افضل من غيره ، يسجن ويقتل وينكل به .
من هنا صار الضامن للبقاء والاستمرار هو العاطفة الغنية للقضية الحسينية ، والجسر الذي تصل عن طريقه الأسئلة العقلية والمنطقية عن أسباب هذه الكارثة في الطرف الاخر من الجسر حيث قضية بيعة الغدير الأم.
القاعدة الثانية التي أختم بها مقالي هذا : العاطفة والإنفعال ، سبب رئيسي للبقاء وضامن لاستمرار الحياة والمعتقد على السواء
جديد الموقع
- 2026-05-06 الاستبعاد الاجتماعي بناءً على ملامح الوجه
- 2026-05-06 حين يحتاج العقل إلى تنظيف خزّانه: دعوة إلى اليقظة الفكرية
- 2026-05-06 السير الذاتية بين الحقيقة والتزوير
- 2026-05-06 محمود درويش والقراءة
- 2026-05-06 أفراح الصالحي والجابر تهانينا
- 2026-05-06 أفراح العباد والمعني وآل طه تهانينا
- 2026-05-05 كانت...
- 2026-05-05 *قدم الفرق بين الطبيب والذكاء الاصطناعي..د.عروة حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بمستشفيات الحمادي:* *الاعتماد في أخذ المعلومة الطبية من وسائل الذكاء الاصطناعي دون معرفة ودراية عن صحتها ومصدرها عامل مؤثر في الشك بقرارات الأطباء*
- 2026-05-05 الرئيس التنفيذي لـ "الشرقية الصحي" يتفقد مركز المراقبة الصحية في منفذ جسر الملك فهد
- 2026-05-05 سمو محافظ الأحساء يكرّم 95 طالبًا وطالبة في جائزة "منافس" الوطنية 2026