2016/07/02 | 0 | 3123
ما هي معايير الأعراف العامة والخاصة؟
كان ذلك المقال جوابا لسؤال واحدة من الأخوات عن كيفية التعامل مع المتغيرات المتعلقة بالعادات والتقاليد.
ومواصلة لهذا الموضوع أحب أن أنشر الآن موضوعا عن كيفية تقييم أي موقف بأنه مخالف أم غير مخالف للعرف العام،ولما تعود عليه المجتمع من عادات وتقاليد.
والحقيقة أنه حتى هذا الموضوع هو جواب لسؤال أحد الأخوة الأعزاء،حيث طلب توضيحا فيه شيء من التفصيل عن كيفية تقييم أي تصرف بأنه مخالف للعرف؟، فبعض الأعراف لا توجد إلا في بعض العائلات،ومع ذلك يعتبرون مخالفتك لهم مخالفة للعرف الاجتماعي العام؟!.
وقد قلت في جوابه :
قبل إجابة السؤال أحب أن أشير إشارة مختصرة إلى حاجات الإنسان في الحياة، لأن لذلك ارتباطا وثيقا بالعرف والعادات والتقاليد.
فحاجات الإنسان تنقسم إلى قسمين :
- حجات طبيعية.
ـ حاجات غير طبيعية.
والحاجات الطبيعية تتمثل في الأمور الفطرية والغريزية، فهناك أمور الإنسان مفطور عليها ويشعر أنه بحاجة إليها،وهو يحبها ويعشقها من أعماق قلبه، ومتعلق بها كل التعلق، ومن ذلك مثلا حب الجمال في الفن،والخير في الأخلاق، والحق في العلم،والبعد الروحي المتمثل في الدين، وهو المعبر عنه بالبعد الرابع للروح الإنسانية،فهذه الأشياء وأمثالها كلها مما فُطر عليها الإنسان.
وإضافة إلى هذه الأمور الفطرية،أيضا لديه مجموعة من الغرائز،كما هو الحال في غريزة حب الذات،والغريزة الجنسية،وغريزة الوالدية المتمثلة في حب الأبناء...إلى ما هنالك من غرائز.
وهناك فارق دقيق بين الفطرة والغريزة،وهو أن الأمور الفطرية خاصة بالإنسان فقط،أما الأمور الغريزية فهي مشتركة بين الإنسان وغيره كالحيوان مثلا،ولذا نرى الإنسان يتحضر ويتمدن ويتطور في حياته،لأن كل هذه الأشياء مما فُطر عليها،لكننا لا نرى شيئا يتطور في حياة الحيوانات،فنظام حياتها ومعيشتها لم يتغير طيلة هذه السنين،كما أنه لن يتغير في مستقبل الزمان،والسبب في ذلك أنها غير مفطورة على ما فطر عليه الإنسان من عشق الجمال والإبداع والفن والتطور والازدهار... وعبر ما شئت.
لكن الأمور الغريزية نرى أنها مشتركة بين الحيوان والإنسان،فكما أن الإنسان يملك الغريزة الجنسية كذلك يملكها الحيوان،وكذلك الحال في غريزة حب الأبناء، وغريزة الطعام والشراب، والنوم...فكل هذه الأمور هي من الغرائز وليست من الفطرة، لذلك نراها مشتركة بين الحيوان والإنسان.
نعم،البعض يعبر عن الفطرة بالغريزة أو العكس،إما لجهل منه بوجود هذا الفارق،أو من باب التغليب لتشابه الأمرين معا.
والأمور الفطرية والغريزة، هي حاجات طبيعية للإنسان، بمعنى أنها توافق طبيعته التي طبعه الله عليها،ولكن في مقابل هذه الأشياء الطبيعية،هناك أشياء غير طبيعية،وهي ما نعبر عنه بالعادات والأعراف والتقاليد.
والحاجات غير الطبيعية تنقسم إلى قسمين :
ـ عام.
ـ خاص.
والعام يتمثل في العرف العام السائد على كل أو جل أفراد المجتمع،كما هو الحال مثلا في الانحناء ووضع اليد على الصدر أثناء السلام،فهذا قد يكون عرفا عاما شاملا لهذا المجتمع أو ذاك،وكذلك الحال في نظام الملبس كما نرى ـ مثلا ـ في المجتمع الخليجي الذي يلتزم الثوب والغترة أو الشماغ والعقال، في حين أن بعض المجتمعات العربية وكذا المجتمع الغربي يلبس القميص والبنطلون...فهذه وأمثالها كلها أعراف وعادات وتقاليد عامة وسائدة على هذا المجتمع أو ذاك الشعب.
أما الحاجات غير الطبيعية الخاصة فتتمثل في ما يعود الفرد عليه نفسه،ولا تكون عامة في المجتمع،بل هي محصورة في أناس دون آخرين،كما هو الحال ـ مثلا ـ في التعود على التدخين، وإدمان الشاي،والنوم على نوع خاص من الموسيقى،بل وإدمان الخمور والمخدرات... فكل هذه الأمور هي حاجات غير طبيعية من جهة،وليست عامة من جهة أخرى.
أيضا حاجت الإنسان غير الطبيعية،تتحول ـ من خلال العادة ـ إلى حاجات طبيعية ثانوية بالنسبة لمن عود نفسه عليها،فتكون حاجة طبيعية ثانوية بالنسبة إليه،وإنما سميناها حاجة طبيعية ثانوية بالنسبة لمن عود نفسه عليها،لأنه أصبح لا يستطيع الاستغناء عنها، كما لا يستطيع سائر الناس الاستغناء عن فطرتهم وغرائزهم.
مثلا : لا يمكن أن يستغني أي إنسان عن فطرية حب الجمال وعشق الكمال،كما لا يستطيع أن يستغني عن غريزته الجنسية أيضا،وكما أن أي إنسان لا يستطيع أن يستغني عن فطرته وغرائزه لأنها تمثل حاجة طبيعة له،كذلك من عود نفسه على التدخين ـ مثلا ـ تراه لا يستطيع الاستغناء عنه،لأنه أصبح بمثابة الحاجة الطبيعية بالنسبة له،بحيث أنه إن لم يدخن فلن يرتاح، تماما كمن لم يشبع غريزته أو فطرته فلن يرتاح.
وهكذا نرى أن التدخين أصبح بالنسبة لذلك الإنسان حاجة طبيعية كسائر الحاجات الطبيعية الأخرى.
ورغم ذلك إلا أنه لا يمكننا أن نعتبر ما عود الإنسان نفسه عليه حاجة طبيعية أصيلة، مهما كان متعلقا بها، ولا يستطيع الاستغناء عنها، بل هي حاجة طبيعية ثانوية، لأنها غير أصيلة كما هو الحال في الحاجات الطبيعية الأصيلة المتمثلة في الفطرة والغريزة.
وهناك فوارق كثيرة بين الحاجات الطبيعية الأصيلة المتمثلة في الفطرة والغريزة، وبين الحاجات الطبيعية الثانوية المتمثلة في ما عود الإنسان نفسه عليه،ومن بين هذه الفوارق :
1/ الحاجات الطبيعية عامة لكل الناس.
فكل إنسان لديه غريزة جنسية،وكل إنسان مفطور على التدين،أما الحاجات غير الطبيعية فلا تتصف بالشمولية والعموم بل بالحصر والخصوص،فليس كل الناس ـ مثلا ـ يدخنون،أو يدمنون المخدرات،أو يكثرون شرب الشاي.
2/ الحاجات الطبيعية لا يمكن الاستغناء عنها،ولا التخلص منها.
فهذه الحاجات موجودة عند كل الناس في كل زمان ومكان،ومهما حاولنا محاربتها والقضاء عليها فإننا لن نستطيع إلى ذلك سبيلا.
لذلك باءت محاولات إبادة النظام الأسري التي قام بها النظام الشيوعي بالفشل،لأنها تحارب ما فطر عليه الإنسان، وما فُطر عليه الإنسان لا يمكن القضاء عليه، بل حين أراد أفلاطون إلغاء النظام العائلي وإباحة العلاقات غير الشرعية وهو ينظر ويسس لمدينته الفاضلة، سبب ذلك نقمة اجتماعية كبيرة عليه،حتى وصل الأمر إلى القرار ببيعه في سوق الرقيق لولا أنه لاذ بالهروب،كل ذلك لأن دعوته تخالف الفطرة الإنسانية الأصيلة،التي لا يمكن إلغائها من حياة الإنسان.
أما الحاجات غير الطبيعية فيمكن القضاء عليها والتخلص منها ولو بصعوبة بالغة،كما يمكن تربية الأجيال القادمة بعيدا عنها، لذا نرى أنه تم القضاء على الكثير من العادات التي كانت سائدة في التاريخ،كما هو الحال في القضاء على عادة وأد البنات عند العرب، وغيرها من عادت كثيرة،كما أننا رأينا وما زلنا نرى الكثيرين ممن أدمنوا التدخين سنوات طويلة تخلصوا منه أخيرا،كما أن بعض المدمنين على المخدرات تخلصوا من هذا الإدمان ولو عن طريق العلاج.
نعم،،قد يواجه الإنسان صعوبة في أول الأمر،لكنه في النهاية يستطيع التخلص من كل عادة بدون استثناء.
بعد هذا العرض الذي عرضناه ولو من باب الإثراء الفكري،نعود إلى جواب السؤال عن العرف العام والخاص لنقول :
لقد ذكرنا أن العادات تنقسم إلى قسمين : عام لكل أو أغلب أو الكثير من أفراد المجتمع،وخاص في طبقة من طبقاته أو بعض أفراده.
وعليه فإن ما هو متعارف عليه من عادت لدى عائلة من العائلات ـ كما في السؤال ـ يكون عادة محصورة في تلك العائلة،ولا يمكن أن نعمم تلك العادة على المجتمع بأسره،ما لم يكن يمارسها ومتعود عليها بالفعل،أما مجرد وجود تلك العائلة المتعودة على تلك العادة في ذلك المجتمع الذي لم يتعود عليها،فلا يكفي في نسبة تلك العادة إلى ذلك المجتمع.
وإذا كانت العادة خاصة ببعض الأفراد أو الأسر،ففي مثل هذه الحالة يجب احترام العرف الاجتماعي العام،وعدم فرض عاداتنا الخاصة على المجتمع بأسره،خصوصا في حال رأيناه يرفضها ويأنف منها.
مثلا : أنا ـ كفرد ـ متعود على التدخين،ولكن نظام المجتمع هو عدم التدخين في الأماكن العامة، كالحسينيات،وصالات الانتظار، والدوائر الحكومية، والمؤسسات العامة والخاصة... و غيرها.
فهنا يجب احترام ذلك العرف أو النظام بعدم القيام بالتدخين،بل هذا يسري حتى إلى المجالس الصغيرة فضلا عن المحافل الكبيرة، فلا يصح لي أن أدخن في مجلس فلان،ما دام هو لا يقبل بذلك،أو في حال لو كان الحاضرون يتأذون من ذلك،بل لا يصح أن أمارس ذلك حتى في مجلسي في حال وجود ضيوف لدي وهم ينزعجون من التدخين، فعادتي يجب أن أحصرها في نفسي،ولا يصح أن أفرضها على المجتمع بالقوة، بل يجب عليّ احترام رغبات الآخرين،وتقدير مشاعرهم، وعدم التسبب بأذيتهم أو إزعاجهم لا عن طريق الدخان ولا غيره مما أنا متعود عليه دونهم.
وكذلك الأمر في حال كانت العادة خاصة ببعض الأسر، فهنا يجب أن يحصروا عادتهم في أنفسهم ولا يفرضونها على المجتمع،كما لا يحق لهم انتقاص المجتمع واحتقاره لعدم أخذه بما هم متعودون عليه.
مثلا : بعض الأسر متعودة على عدم الحجاب عن بعض أفراد العائلة،كأخ الزوج،أو ابن العم، وابن الخالة... وأمثالهم،ومع هذا التعود هم يرون أن هذا الأمر من التمدن والتحضر... وما شابه ذلك.
فهنا عليهم أن يحترموا خصوصيات المجتمع وآدابه العامة،فلا يفرضون هذه العادة عليه بالقوة،ولا يقومون بتحقير من لا يسايرهم ولا يماشيهم في تلك العادة.
بل إذا كانت تلك العادة منحصرة في أفراد أو عوائل فقط لا غير،فهذا يعني أنها عادة مخالفة لما تعود عليه المجتمع،فالمقياس في عموم العادة من عدمها ـ كما هو مفروض السؤال ـ هو : إن كانت العادة سارية على الجميع،سائدة على كل أفراد المجتمع أو أكثر شرائحه، فهي عادة اجتماعية.
أما في حال انحصارها في بعض أسر المجتمع أو بعض أفراده،فهي عادة خاصة بمن عود نفسه عليها،فلا يمكن اعتبارها عادة اجتماعية عامة،وإن كانت موجودة في بعض أسر أو أفراد ذلك المجتمع.
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد اتهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*