2017/03/22 | 0 | 2932
كيف يتكلم الله ؟
الجواب :
الحقيقة أن قضية كلام الله تعالى من أقــدم القضايا العقائدية المطروحة في علم الكلام،وقد كثر الجدل والنقاش فيها بين المسلمين حتى أن الكثيرين يذهبون إلى أن (علم الكلام) إنما سمي بهذا الاسم لأن البحث في مسألة كلام الله،هي أول مسألة كلامية طرحت على بساط البحث،كما أنه لم يدر حوار،بل صراع بين سائر المسلمين في أي مسألة كلامية أخرى كما دار حول هذه المسألة،التي تشعبت فيها الآراء إلى حد بعيد،كما تدخلت اليد السياسية فيها ــ خصوصا في العصر العباسي ــ إلى حد كبير،حتى أخرجتها من إطارها الفكري إلى الإطار السياسي فخلف ذلك الكثير من المآسي.
ومن خلال ما ذكرناه يتضح لنا أن لقضية كلام الله أبعادها الكبيرة وتشعباتها الكثيرة،التي لا يمكن حصرها والحديث عن تفاصيلها ضمن إطار الإجابة عن هذا السؤال الذي تفضل به الأخ الكريم (ابن الأحساء) لذا فإننا سنحاول أن نحصر أنفسنا في نطاق السؤال ونجيب عنه باختصار،دون التطرق إلى ما يرتبط بهذه المسألة من قضايا متشعبة، كثر الجدل حولها كما أشرنا.
إجماع المسلمين على أن الله متكلم،واختلافهم في ماهية كلامه ومن أي الصفات هو :
لقد أجمع المسلمون على أن لله كلاماً وأنه تعالى متكلم، وهذا الإجماع إنما هو نتيجة للنصوص الإسلامية الكثيرة كتاباً وسنة،التي تثبت أن لله كلاماً وأنه سبحانه متكلم، والتي من بينها قوله تعالى حين أشار إلى تفضيل بعض الأنبياء على بعض : (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله) وقوله سبحانه في الإشارة إلى تكليمه لنبيه موسى بن عمران : (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى،إضافة إلى ما ورد في السنة الشريفة من الأحاديث.
وبعد أن اتفق المسلمون على أن لله تعالى كلاماً، اختلفوا في كلامه تعالى هل هو من صفات الذات كالعلم والحياة والقدرة...أم من صفات الفعل كالرزق والإحياء والإماتة...؟.
فذهب المعتزلة والإمامية إلى أن كلامه سبحانه من صفات الفعل،في حين ذهب الحنابلة والأشاعرة إلى أنه من صفات الذات.
وهذه واحدة من التشعبات المرتبطة بمسألة كلام الله، والدليل فيها عقلاً ونقلاً يؤيد رأي المعتزلة والإمامية دون غيرهم كما يعلم ذلك المطلع على أدلة الفريقين.
وكما اختلف المسلمون في كلامه تعالى من أي الصفات هو؟،كذلك اختلفوا في ماهية ذلك الكلام وحقيقته وكيف يكون؟.
فللإمامية والمعتزلة رأي يخالف رأي الحنابلة،كما أن الأشاعرة يخالفون الإمامية والمعتزلة،ويتفقون مع الحنابلة من جهة ويختلفون معهم من جهة أخرى،كما أن للحكماء الفلاسفة تفسيرهم الخاص لمعنى كلام الله، والذي لا نختلف معهم فيه ولكنه غير الكلام المخلوق الذي نحن الآن بصدد الحديث عنه الآن.
والذي تؤيده الأدلة والبراهين هو أن لله تعالى كلاماً مكوناً من حروف وكلمات وجمل منظومة وأصوات مقطعة مسموعة.
وقد وقع منه سبحانه هذا النوع من التكليم لبعض الناس في الجملة كبعض رسله،كما يدل على ذلك قوله تعالى : (منهم مــن كلم الله) وقوله : (وكلم الله موسى تكليما)وغيرها من آيات تدل على وقوع هذا النوع من الكلام وقوعاً حقيقياً وليس مجازيا.
ولكن يجب أن نلتفت إلى أن وقوع هذا الكلام منه سبحانه وتعالى ليس على شاكلة وقوعه منا نحن البشر، فنحن حين نتكلم إنما نخرج الصوت عن طريق حناجرنا معتمدين على مقاطع النفس...ولو كان الكلام يقع منه سبحانه على هذه الشاكلة للزم منه التجسيم ـ كما في السؤال ـ والله تعالى منـزه عن ذلك .
إذن فالكلام المخلوق بالنسبة إلى الله تعالى هو حقيقة ثابتة،ذلك أن الهدف من الكلام هو إفهام الآخرين بما نريد،إذ من خلال الكلام نترجم للآخرين ما يدور في أذهاننا،ولولا الكلام لما استطعنا إخبارهم عما هو مكنون في عقولنا.
ففي كل لغات العالم هناك علاقة بين الألفاظ ومعانيها، فبمجرد أن نتصور اللفظ ينتقل ذهننا ــ مباشرة ــ إلى تصور معناه.
ونحن نستعمل هذه الألفاظ من أجل إيصال المعاني التي نريدها إلى الآخرين,فكلما أردنا أن نعبر لشخص عن معنى،استعملنا ذلك اللفظ الذي توجد رابطة بينه وبين ذلك المعنى المراد،فينتقل معناه إلى ذهن ذلك الشخص بسبب تلك العلاقة بين اللفظ ومعناه.
واستعمالنا لهذه الألفاظ ينقسم إلى قسمين:(حقيقي) وذلك حين نستعمل اللفظ في المعنى الذي قامت بينه وبين اللفظ علاقة لغوية, كاستعمالنا لكلمة (جبل) التي إذا سمعها الإنسان العربي تبادر ذهنه إلى تلك الكتل الصخرية الضخمة الكبيرة المتراصة مع بعضها البعض، الواقعة على مساحة واسعة من الأرض،ولها ارتفاعها الشاهق وفيها مغارات...
ومرة نستعمل اللفظ استعمالاً (مجازياً) وذلك حين نستعمله في معنى لم يوضع له في اللغة،ولكن يشابهه في بعض الاعتبارات ومن بعض الجهات,ومن هذا القبيل استعمالنا لكلمة (البحر) في الإنسان كثير العلم واسع المعرفة.
وهذه العلاقة بين اللفظ بالمعنى المجازي علاقة ثانوية،ناتجة عن العلاقة اللغوية الأولية للتشابه الموجود بين المعنى الموضوع له لغة والمعنى المجازي.
والاستعمال الحقيقي يوصل ذهن السامع إلى المعنى دون قيد أو شرط،أما الاستعمال المجازي فهو بحاجة إلى قرينة تدل على المعنى المراد,كما لو قلت : (بحر في الفقه) فتكون كلمة (في الفقه) قرينة على إرادة المعنى المجازي لكلمة البحر، وأن قصدي منها بيان سعة علم ذلك الإنسان وغزارته وتبحر صاحبه في علم الفقه.
والمهم الآن أننا نستخدم الكلام من أجل إيصال ما نريد إلى الآخرين،وإذا عرفنا أن الكلام هو وسيلتنا إلى إظهار ما في عقولنا إلى الآخرين وتعريفهم به، استطعنا أن نفهم أن إعلام الله لرسله بما يريده منهم،أو حين يريد سبحانه إظهارهم وإطلاعهم على ما هو مكنون في علمه سبحانه،إنما يتوقف ذلك على تكليمهم تكليماً حقيقياً،مشتملاً على الحروف والكلمات والجمل، وله صوت يسمعه الذين يكلمهم سبحانه وتعالى.
فأصل التكلم بالنسبة إلى الله عز وجل هو حقيقة ثابتة لا مجال لأحد ــ مهما كابر وعاند ــ نفيها أو تفنيدها، ولكن ــ كما قلنا ــ فإن الكلام الصادر عنه سبحانه ليس كالكلام الصادر عنا،وإنما هو علـى نحو خاص لا يستلزم التجسيم ولا يتعارض مع التنـزيه، وهذا النحو الخاص الذي نشير إليه هو أن الله عز وجل يخلق الكلام،كما يخلق غيره من سائر الأشياء.
فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يكلم أحداً خلق الكلام،ولا يسمع هذا الكلام أحد إلا من شاء الله تعالى أن يسمعه.
أقسام كلامه سبحانه وتعالى :
في القرآن الكريم آيات كثيرة تثبت صحة ما نقول عن كلام الله تبارك وتعالى، كما يفهم ذلك المتدبرون، ولكننا نكتفي من كل تلك الآيات بآية واحدة،تثبت أن لله تعالى كلاماً على وجه الحقيقة وليس المجاز، وتقسم هذا الكلام إلى ثلاثة أقسام،وهي قوله تبارك وتعالى : (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي قدير)
فالآية الشريفة تثبت أن لله كلاماً يكلم به من يريد سبحانه من البشر،وأن هذا الكلام ينقسم إلى أقسام ثلاثة،وهي أن يكون كلامه وحياً،أو يكون من وراء حجاب،أو أن يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء.
وهنـاك فرق بين هذه الأقسام الثلاثة لكي نفهمه لابد أن نسلط الضوء عليها الواحد تلو الآخر.
الأول : الكلام عن طريق الوحي :
وهو أعلى مراتب التكليم، لأن الله تعالى في هذا النوع من التكليم يكلم رسله وأنبياءه من دون وجود واسطة بينه جل وعلا وبين النبي الذي يكلمه.
فالوحي ــ هنا ــ كناية عن الكلام الذي يلقيه سبحانه وتعالى فـي روع الأنبياء وقلوبهم بسرعة وخفاء، وبدون توسيط الوسائط،بل هو كلام صادر منه سبحانه إلى قلوب أنبيائه بصورة مباشرة.
ومـن هذا القبيل تكليمه جل وعلا لرسوله المصطفى صلى الله عليه وآله،حين عرج به إلى السماء فكان عليه وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم في أعلى درجات القرب من الله.
وفي الإشارة إلى هذا النوع من القرب،وهذا النوع من التكليم يقول تعالى : (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) والآيـات صريحة في أن النبي صلى الله عليه وآله كان ــ ليلة المعراج ــ في أعلى درجات القرب المعنوي والروحي من الله،وأن الله أوحى إلى عبده المصطفى من الكلام ما أوحى بدون واسطة.
ويؤيد ما قلناه ويؤكده ما ذكره السيد الطباطبائي في بحثه الروائي حول هذه الآيات عن تفسير القمي في بيان معنى قوله سبحانه تعالى : (فأوحى إلى عبده ما أوحى) قال : وحي مشافهة.
الثاني : الكلام من وراء حجاب :
وهو الكلام المسموع الذي يخلقه الله في شيء من الأشياء،فيكون ذلك الشيء محلاً لكلامه،وذلك الشيء هو المقصود بالحجاب.
وإلى هذا النوع من الكلام والتكليم أشار الله تبارك وتعالى حين قال في قصة تكليمه عز وجل لنبيه موسى بن عمران عليه السلام : (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من نار لعلكم تصطلون،فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين...)
فالنداء لموسى إنما كان من قبل الله،وقد سمع موسى نداء الله وكلامه يصدر من الشجرة التي خلق الله فيها الصوت وجعلها محلاً لكلامه سبحانه وتعالى.
فالشجرة هنا لم تكن إلا حجاباً احتجب سبحانه به فكلمه من ورائه بما يليق بساحة قدسه من معنى الاحتجاب وهو على كل شيء محيط.
الثالث : الكلام عن طريق توسيط الملائكة :
وإليه الإشارة بقوله تعالى : (أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء) فهو كلام الله إلى أنبيائه عن طريق توسيط ملائكته،الذين يتلقون الوحي منه سبحانه ثم يبلغونه إلى رسله وأنبيائه، كما يقول تعالى : (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين،على قلبك لتكون من المنذرين)
فالكلام كلامه سبحانه في الأقسام الثلاثة،فتارة يكون الكلام من غير واسطة وإنما عن طريق الإلقاء في الروع، وأخرى يكون الكلام من وراء حجاب،وثالثة عن طريق توسيط الملائكة.
وفي الحديث عن زرارة قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : جعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه الوحي؟
فقال عليه السلام : ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلى الله له.
قال : ثم قال : تلك النبوة يا زرارة.
وأقبل يتخشع)
وعن هشام بن سالم قال : سأل بعض أصحابنا الإمام الصادق عليه السلام فقال : أصلحك الله،كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : قال جبرائيل،وهذا جبرائيل يأمرني.
ثم يكون في حال أخرى يغمى عليه صلى الله عليه وآله ؟
فقال أبو عبد الله عليه السلام : إنه إذا كان الوحي من الله ليس بينهما جبرائيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله،وإذا كان بينهما جبرائيل لم يصبه ذلك فقال : قال لي جبرائيل وهذا جبرائيل)
إذن فالقرآن الكريم يثبت أن لله تعالى كلاماً حقيقياً، يتكلم به سبحانه وتعالى على نحو من الأنحاء ولا يلزم منه التجسيم.
وقد أوضح هذا المعنى خير إيضاح علي أمير المؤمنين بقوله صلوات الله وسلامه عليه عن كلام الله وحقيقته وكيف يكون : (يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ،يحفظ ولا يتحفظ،ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة )
وفيه إشارة إلى أن الله يتكلم ويسمع ويريد ويحب ويرضى ويبغض ويغضب على وجه لا يلزم منه التجسيم.
وقال عليه السلام : (الذي كلم موسى تكليماً،وأراه من آياته عظيما،بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات)
هذا هو الحق في بيان حقيقة كلامه سبحانه وتعالى، وبه تنتقض سائر النظريات الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع،مما يغنينا عن الإطالة بطرحها ومناقشتها، ولذا فإننا نعرض عن ذلك ليقيننا أنه إذا سطعت الشمس أنارت الوجود وبددت كل ظلام،ومع ذلك فسنقوم إن شاء الله تعالى بذلك ولو على نحو الإجمال في بحثنا القادم عن القرآن الكريم،وهل هو مخلوق أم غير مخلوق؟.
ملحوظة :
كتبنا هذا الموضوع الساعة ( 2.25 ) بعد منتصف ليلة الاثنين 1428/6/17هـ،جوابا لسؤال طرحه علينا من ضمن عشرة أسئلة،أحد الأخوة في شبكة الجفر الثقافية رمز لنفسه باسم (ابن الأحساء) كان من بينها السؤال عن كلام الله وكيفته.
وقد نشرناه الآن بدون ذكر المصادر مراعاة للاختصار, وكذلك سنفعل في موضوعنا القادم عن القرآن الكريم وهل هو مخلوق أم غير مخلوق.
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد اتهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*