2026/05/04 | 0 | 111
"أَبُو عَدْنَانَ الْإِنْسَانُ .. بَيْنَ هَيْبَةِ الْفَقِيهِ وَشَفَافِيَّةِ الشَّاعِرْ"
ليست الكتابة عن "السيد محمد رضا السلمان" مهمة يسيرة حين تكون العلاقة به أعمق من حدود القراءة العابرة، وأبعد من مجرد التذوق الفني. فالشاعر الذي تصاحبه طويلًا لا تعود تقرأه بوصفه نصوصًا موزونة وقوافٍ متتابعة، بل تقرأ الإنسان الكامن خلف اللغة، وتقرأ روحه وهي تتكرر في مفرداته، وفي طريقته في النظر إلى الحياة والناس والأشياء.
ولعل من المهم أن أوضح منذ البداية أن هذه الكلمات لا تتناول الجانب العلمي والفقهي عند "السيد" من جهة التخصص والدراسة النقدية؛ فذلك ميدانٌ له أهله وأصحابه الأعلم به، وأنا لا أدعي لنفسي الإحاطة به أو القدرة على تقييمه. وإنما أكتب هنا عن الجانب الذي عرفته عن قرب عبر الصحبة الطويلة والتجربة العملية الشخصية والاطلاع المباشر والإحاطة شبه الكاملة بتراثه الأدبي المنشور وغير المنشور، أعني الجانب الإنساني والأدبي والوجداني، وعن صورة الإنسان التي انعكست في شعره ومواقفه وسيرته بين محبيه ومعارفه. ومن هذا الباب أكتب عن "أبي عدنان"، بعد صُحبة امتدت لأكثر من عشرين عامًا، صحبتُ فيها شعره وصوته ووجدانه، حتى غدت كثير من ملامحه الشعرية والإنسانية معروفة لديَّ كما تُعرف طبائع الأصدقاء القدماء.
غير أنَّ "أبا عدنان" ليس شاعرًا فحسب؛ بل هو ممن جمعوا إلى شرف الأدب شرف العلم، وإلى جمال البيان رسوخ الفقه والمعرفة الدينية. فهو فقيه أصولي متضلع، شديد النباهة، حاد الذكاء، حاضر الذهن، قوي الذاكرة، واسع الاطلاع، ولا أفشي عنه سرًّا عندما أقول بأنه تتلمذ على أيدي كبار أساطين الفقه الإمامي المعاصرين، وصقل شخصيته في أروقة الحوزات العلمية على أعلامٍ كبارٍ من مراجع الطائفة وفقهائها.
ففي السطوح العالية تمرَّس على أيدي نخبة، أذكر منهم مثلاً "آية الله الشيخ محمد باقر الإيرواني"، "وآية الله الشيخ عبدالهادي الراضي"، "وآية الله الشيخ مصطفى الهرندي"، الذي لم يكن "للسيد" مجرد أستاذ بل مربِّيًا فاضلًا، وغيرهم ممن تركوا بصمتهم على مساره العلمي والحوزوي. أما دروس البحث الخارج، فقد تقلَّب فيها على أيدي الأساطين من أساتذة الحوزة الكبرى في "قم المقدسة"، على ساكنتها آلاف التحايا والسلام. أذكر في الطليعة منهم المرجع الكبير "آية الله العظمى الشيخ محمد فاضل اللنكراني" فقهًا، والمرجع الكبير "آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي" فقهًا وأصولاً، والمرجع المقدَّس "آية الله العظمى الشيخ محمد تقي بهجت" فقهًا، والمرجع الكبير "آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي" أصولًا، والمرجع الكبير "آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي" أصولاً، والمرجع الكبير "آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني" أصولاً، والمرجع الكبير "آية الله العظمى الشيخ حسين النوري الهمداني" فقهاً، والفقيه المجدد "آية الله الشيخ حسين المنتظري" فقهًا، "وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الكوكبي التبريزي" فقهًا، "وآية الله العظمى السيد محمد الروحاني" فقهًا، "وآية الله العظمى السيد لطف الله الصافي الكلبايكاني" فقهًا، "وآية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي" فلسفةً، "وآية الله الشيخ محمد الصادقي الطهراني" تفسيرًا، "وآية الله الشيخ جوادي آملي" تفسيرًا، "وآية الله العظمى الشيخ حسين المظاهري الإصفهاني" أخلاقًا، "وآية الله العظمى الشيخ النوري المحمدي" أخلاقًا، "وآية الله الشيخ علي أكبر فيض المشكيني" أخلاقًا، "وآية الله العظمى الشيخ الشهيد علي الغروي التبريزي"، "وآية الله السيد موسى الشبيري الزنجاني"، وغيرهم من الأعلام، رحم الله الماضين منهم، وقدَّس أسرارهم، وحفظ الباقين ومتَّعهم بطول العمر في خير وعافية.
هذا وقد منحه أغلب هؤلاء الأعلام إجازات خطية يَثبُت من خلالها وصوله رتبة الاجتهاد في المباحث التي تشرف بالحضور لديهم فيها، ليس هذا محل عرضها وتناولها.
وهذا الجانب العلمي ليس أمرًا منفصلًا عن شعره، بل هو ظاهر فيه بوضوح لمن يتأمل نصوصه. فقصيدته ليست مجرد انفعال عاطفي؛ بل وراءها ثقافة دينية راسخة، ووعي لغوي وأخلاقي متين، ونفَس تربوي واضح. ولذلك كثيرًا ما تمتزج في شعره حرارة الوجدان بروح العاِلم المتأمل، فتأتي قصائده مشبعة بالإشارات القِيَميَّة والروحية دون تكلف أو افتعال.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا علمنا أنه ينتمي إلى بيت عريق في العلم والأدب، هو بيت "السادة آل سلمان الموسويين" في مدينة "المبرز" المحروسة، ذلك البيت المعروف بما حمله عبر القرون والأجيال من إرث علمي وأدبي واجتماعي كريم. وهم فرع من فروع الشجرة "الْعَلَوِيَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ" المباركة، المتصلة "بالإمام موسى الكاظم(عليه السلام)"، سابع "أئمة أهل البيت"(عليهم السلام).
وليس التكوين الفكري والثقافي "لأبي عدنان" منفصلًا عن أثر عددٍ من الشخصيات الفكرية الإسلامية المعاصرة التي تركت حضورًا واضحًا في وجدان جيله، وفي مقدمتها المرجع الكبير "آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله(قدس سره)"، والشيخ الشهيد "آية الله مرتضى مطهري(قدس سره)". فقد بدا — في كثير من ملامح رؤيته — متأثرًا بذلك المزج بين الوعي الديني العميق والانفتاح على الإنسان والحياة والأسئلة الكبرى، بعيدًا عن الجمود أو الانغلاق الضيق.
ومن يقترب من حديثه أو شعره أو طريقته في النظر إلى القضايا الفكرية والإنسانية يلمح أثر تلك المدرسة التي كانت ترى الدين مشروعَ وعيٍ وأخلاقٍ وبناء إنسان، لا مجرد قوالب جامدة أو شعارات مكررة. وهي الروح نفسها التي ظهرت في كتابات "السيد فضل الله"، وفي الطابع العقلي والتربوي العميق الذي امتازت به مؤلفات "الشهيد مطهري".
ولعل هذا التأثر لم ينعكس عند "أبي عدنان" على مستوى الفكرة فحسب، بل على مستوى النبرة أيضًا؛ إذ تشعر في كثير من نصوصه ومحاوراته بحضور العقل الهادئ، والروح الأخلاقية، والنزعة التربوية التي تحاول أن ترفع الإنسان إلى المعنى، لا أن تغرقه في الجدل أو الاستعراض الفكري.
غير أن الجميل في تجربته أنه لم يكن ناقلًا لأفكار الآخرين بقدر ما كان متفاعلًا معها؛ فقد أعاد صهر هذه المؤثرات داخل تجربته الشخصية والاجتماعية والأدبية، حتى غدت جزءًا من رؤيته الخاصة، ومن طريقته في فهم الإنسان والوفاء والدين والحياة.
ومن يقرأ شعر "أبي عدنان" يشعر فعلًا أن هذا الامتداد العلمي والفكري والروحي والأسري حاضر في تكوينه كله؛ حاضر في لغته، وفي وقاره، وفي طريقته في تناول المعاني، وفي احترامه للكلمة، وفي ابتعاده عن الابتذال أو الإسفاف. فهو شاعر يحمل نفَس الأديب، وروح العالم، وهدوء المتأمل، وحياء أبناء البيوت العلمية العريقة.
ومن الصفات التي لا يمكن إغفالها عند الحديث عن "أبي عدنان" شجاعته الفكرية والوجدانية النادرة؛ فهو ليس من أولئك الذين يختبئون خلف العبارات المواربة أو المواقف الرمادية، بل عُرف — كما عرفه القريبون منه — بوضوح الرؤية، والقدرة على الصدع بما يراه حقًّا، مهما كانت التكاليف والضرائب المدفوعة.
لقد كان في كثير من المواقف صاحب كلمة لا يساوم عليها، ورجل موقف يتحمل تبعات ما يقول وما يعتقد، لا يطلب السلامة على حساب القناعة، ولا يستبدل وضوح المبدأ براحة المجاملة. وهذه الشجاعة ليست شجاعة انفعال عابر أو حماسة وقتية، بل شجاعةً نابعةً من يقين داخلي، ومن شخصية اعتادت أن تتحمل مسؤولية الكلمة قبل إطلاقها، ثم تتحمل نتائجها بعد ذلك بثبات وصبر.
ولعل ما يزيد هذه السمة قيمةً أن "أبا عدنان" لم يكن صاحب فكر مجرد أو خطاب نظري، بل كان ممن يدفعون أثمان مواقفهم فعلًا. ولذلك بقيت كلمته عند من يعرفه مرتبطة بالصدق والجرأة وتحمل المسؤولية، لا بمجرد البلاغة أو الحضور الأدبي.
وهذه الروح تنعكس بوضوح في شعره أيضًا؛ إذ يشعر القارئ أن خلف القصيدة رجلًا يمتلك شجاعة التعبير، وصدق الانتماء لما يؤمن به، وعدم الخوف من إعلان موقفه الفكري والوجداني متى رأى أن الواجب يقتضي ذلك. ولذلك جاءت قصائده مشبعة بنبرة العزة والكرامة والوفاء للمبدأ، لأن صاحبها عاش هذه المعاني ممارسةً قبل أن يصوغها شعرًا.
وأحسب أن اجتماع هذه الصفات كلها — العلم، والأدب، والوفاء، والروحانية، والانتماء، والشجاعة — هو ما منح شخصيته ذلك الحضور الخاص الذي يندر اجتماعه في إنسان واحد؛ فليس من السهل أن يجتمع في المرء رهافة الشاعر، وعمق الفقيه، وصدق الإنسان، وثبات صاحب الموقف في آنٍ واحد.
وفي تقديري أيضاً أن "أبا عدنان" شاعر صاحب نفَس أصيل، لا يكتب الشعر بوصفه زينة لفظية أو استعراضًا لغويًّا، بل يكتبه بوصفه موقفًا وجدانيًّا وأخلاقيًّا وروحيًّا. وشعره — في جوهره — ليس شعرًا عابرًا ولا مصنوعًا على عجل؛ بل هو امتداد لتجربة إنسان تشكَّل وعيه من الإيمان، والوفاء، والانتماء، ومحبة الناس، والاحتفاء بالذاكرة والمكان.
وإذا أردت أن أصف بناءه الشعري، فإني أراه شاعرًا كلاسيكيَّ الروح، عربيَّ البناء، واسع الوجدان. يكتب غالبًا بروح القصيدة العربية الأصيلة؛ بيت واضح، وقافية حاضرة، ونبرة خطابية مشحونة بالعاطفة، ومعجم فصيح يميل إلى الجزالة والهيبة. لكنه — مع محافظته على هذا البناء التقليدي — لا يقع في جفاف الصنعة أو برودة الأسلوب؛ لأن قصيدته مشبعة بحرارة وجدانية ظاهرة، حتى ليشعر القارئ أن النصَّ عنده ليس تمرينًا لغويًّا، بل حالة شعورية مكتملة.
ولعل من الأشياء التي كنت ألمحها وأنا أعيش قريبًا جدًّا من عالم "أبي عدنان" الشعري ذلك الصدى الجميل لبعض التجارب التي مرَّت بروحه واستقرت في وجدانه، حتى غدت جزءًا من طريقته في الإحساس والتعبير. وكنت أرى — في مواضع كثيرة — أثر الشاعر الكبير "نزار قباني" حاضرًا في شفافية البوح، وفي حرارة الالتفات إلى الإنسان، وفي تلك اللغة التي تقترب من القلب دون حواجز ثقيلة، كما كنت ألمح أثر "السيد مصطفى جمال الدين" في هيبة العبارة، ووقار النبرة، وذلك المزيج الآسر بين الفصاحة والروحانية والوجدان العربي الأصيل.
غير أن "أبا عدنان" لم يكن يومًا شاعر تقليد أو محاكاة؛ فالتجارب الكبرى حين تمر بالشاعر الحقيقي لا تستنسخه، بل تترك في داخله أثرًا يعيد تشكيله بطريقته الخاصة. ولذلك جاءت هذه التأثيرات ممتزجة بروحه هو، وبذاكرته، وبتجربته الإنسانية والدينية والاجتماعية، حتى غدت جزءًا من صوته الشعري الخاص، لا مجرد أصداء لأصوات الآخرين.
ولعل هذا ما منح شعره تلك النبرة التي تجمع بين رهافة العاطفة وهيبة البيان؛ فهو حين يكتب تشعر أحيانًا بحرارة البوح القريبة من روح "نزار"، وتشعر — في مواضع أخرى — بجلال العبارة ووقارها كما في مدرسة "السيد مصطفى جمال الدين"، لكنك في النهاية تبقى أمام صوت "أبي عدنان" نفسه؛ ذلك الصوت المشبع بالوفاء، والإشراق، والمحبة، ودفء الانتماء.
ولعل من أبرز ما يلفتني في شعره تلك اللغة المضيئة التي تتكرر فيها مفردات النور والهدى والإشراق والوفاء والدعاء والمناجاة والحياة والرؤى. وهذه ليست مجرد ألفاظ يكثر تداولها في قصائده؛ بل هي مفاتيح لعالمه الداخلي كله. "فأبو عدنان" شاعر يرى الأشياء من خلال معناها الأعلى؛ الإنسان عنده وفاء، والمكان ذاكرة، والعلم رفعة، والمحبة قيمة أخلاقية، والدين إشراق في القلب قبل أن يكون مناسبةً أو مظهرًا.
ومن يتأمل موضوعاته الشعرية يدرك سريعًا أن هناك خيطًا جامعًا يربط بينها جميعًا، مهما تنوعت أغراض القصيدة. فهو يكتب في الولاء الديني، ومدح "أهل البيت(عليهم السلام)"، والرثاء، والحنين، وتمجيد العلم، والاحتفاء بالأوطان، وخصوصاً "بالأحساء"، مسقط رأسه، ومدنها وقراها، والوفاء للأهل والأصدقاء والراحلين، لكن هذه الموضوعات كلها تصدر — في النهاية — من مركز واحد هو «الوفاء». حتى ليبدو الوفاء عنده جوهر التجربة الشعرية كلها: وفاء للعقيدة، وفاء للمكان، وفاء للناس، وفاء للذكرى، ووفاء للقيم التي يؤمن بها.
أما وجدانه، فهو وجدان حار وصادق، يميل إلى التبجيل والمحبة أكثر من ميله إلى البرود الذهني أو الحياد الجاف. لذلك تختلف نبرة قصائده بحسب الحالة الشعورية التي يدخل منها إلى النص؛ فتراه في المديح احتفاليًّا مَهيبًا، وفي الرثاء حزينًا شفيفًا، وفي المناجاة روحانيًّا هادئًا، وفي الحديث عن "الأحساء" أو الأسرة أو أهل الفضل شاعرًا يفيض اعتزازًا وانتماءً.
ومن الناحية الفنية، يمتاز شعره بوضوح المعنى وقوة النبرة. فهو ليس من الشعراء الذين يذهبون بعيدًا في الغموض أو التفكيك أو التعقيد المقصود، بل يؤمن بأن المعنى ينبغي أن يصل إلى المتلقي بكرامة ووضوح. ولهذا جاءت قصائده قابلة للإلقاء والإنشاد، مليئة بالجرس الموسيقي والامتداد الصوتي والنبرة الخطابية التي تجعلها صالحة للمجالس والمناسبات واللوحات الشعرية والأعمال الصوتية.
وفي تقديري أن امتلاكه لهذه الروح الإنشادية ليس أمرًا عارضًا؛ بل هو نتيجة أذن موسيقية واضحة. فكثير من أبياته تحمل بطبيعتها قابلية الغناء أو الإلقاء المؤثر، خصوصًا مع القوافي الطويلة والمدود الصوتية التي تمنح النص نفَسًا غنائيًّا محبَّبًا. وربما لهذا السبب تنجح قصائده حين تتحول إلى أعمال مسموعة؛ لأن روح الإنشاد حاضرة فيها قبل التلحين.
ومن الجوانب التي تستحق الوقوف عندها طويلًا عند تجربة "أبي عدنان" غزارة عطائه الأدبي على نحو يكاد يندر في هذا العصر. فأنا — على امتداد ما عرفته من الشعراء واطلعت عليه من تجاربهم — لم أرَ، ولم أسمع، ولم أقرأ لشاعر يكتب بهذه الغزارة المتدفقة كما يكتب هو. بل لعل من يعرفه عن قرب يدرك أن الكتابة عنده ليست فعلًا متكلفًا أو صناعةً تحتاج إلى مخاض طويل بقدر ما هي حالة حضور دائم للشعر في روحه ووجدانه.
ولست مبالغًا إذا قلت وعن اطِّلاع ومشاهدة شخصية إن "أبا عدنان" قد يكتب في اليوم الواحد ما يبلغ عشرة نصوص أو يزيد، وإن إنتاجه الشعري في بعض الفترات يكاد يعادل ديوانًا كاملًا في كل شهر. وهذه الكثرة ليست كثرة ألفاظ أو تكرار معانٍ مجردة، بل تأتي مصحوبة بتماسك البناء، وسلامة السبك، وحضور النفَس الشعري الواضح.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في طريقته الشعرية أن القصيدة عنده تبدو وكأنها تنثال انثيالًا دفعة واحدة. فإذا أمسك القلم وشرع في الكتابة، مهما يكن طول القصيدة، فإنه كثيرًا ما لا يرفع قلمه عن الورقة حتى تكون القصيدة قد اكتملت بناءً وسبكًا وإيقاعًا. وكأن الشعر عنده حالة وحي وجداني متصل، أو نهر داخلي متدفق لا يعرف التعثر أو الانقطاع.
ومن هنا أفهم تمامًا ما يقصده القدماء حين كانوا يتحدثون عن «وحي الشعر» أو لحظة التدفق التي تتجاوز حدود الصنعة الذهنية الباردة؛ لأن "أبا عدنان" — في كثير من حالاته الشعرية — يكتب بهذه الروح المتدفقة التي تشعر معها أن القصيدة تتشكل في لحظتها كاملة، لا على هيئة مقاطع متفرقة يجمعها التكلُّف أو المراجعات الثقيلة.
ويزداد هذا الأمر إدهاشًا إذا التفتنا إلى طول بعض نصوصه، ولا سيَّما في الأراجيز والقصائد المطوَّلة التي قد تتجاوز مئات الأبيات، ومع ذلك تحتفظ في كثير من الأحيان بتماسكها الإيقاعي ووحدة روحها ووضوح نبرتها. وهذه قدرة لا تتأتى لكل شاعر، لأن النفَس الطويل في الشعر يحتاج إلى ذاكرة قوية، وحضور ذهني متقد، وتمكن لغوي، وملكة إيقاعية تحفظ توازن النص من الانهيار أو التكرار الممل.
وفي تقديري أن هذه الغزارة الشعرية لم تكن منفصلة عن بقية ملامح شخصيته؛ فهي امتداد طبيعي لذاكرته القوية، وحضوره الذهني، وسعة محفوظاته، وعمق معجمه اللغوي، فضلًا عن معايشته الطويلة للعلم والأدب والمنبر والمجالس الثقافية والدينية. ولذلك بدا الشعر عنده أقرب إلى التنفس الطبيعي منه إلى الجهد المصنوع.
وربما لهذا السبب أيضًا بقي شعره حاضرًا في مختلف المناسبات والموضوعات؛ لأنه لم يكن شاعر نصوص معدودة، بل شاعر تجربة ممتدة، عاش مع القصيدة حتى غدت جزءًا من تكوينه اليومي والوجداني.
ومع ذلك، ومن باب الإنصاف النقدي، يمكن القول إن شعره يميل أحيانًا إلى تكرار بعض الحقول اللفظية ذات الطابع النوراني والروحي، مما يجعل بعض القصائد متقاربة في أجوائها العامة إذا لم تتغير زاوية المعالجة أو الصورة الفنية. غير أنني لا أرى هذا ضعفًا بقدر ما أراه سمة لشاعر ينتمي إلى مدرسة تؤمن بالمعنى العالي واللغة المَهيبة أكثر من إيمانها بالمفاجأة الحداثية أو المغامرة الشكلية.
ومن الأمور التي أراها شديدة الوضوح في شعره أنه لا يتعامل مع الناس بوصفهم أسماء عابرة، بل بوصفهم «قِيَمًا حيَّة». فهو حين يكتب عن إنسان لا يصف ملامحه السطحية بقدر ما يكتب أثره، ووفاءه، ومكانته في الأرواح. ولذلك تأتي قصائده الإنسانية محمَّلة بصدق واضح، لأن صاحبها لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلب عاش المعنى نفسه.
كما أنني ألحظ في شعره نزعة تربوية رفيعة تظهر بين السطور دون افتعال. فهو حتى في قصائد المديح والمناسبات لا يكتفي بالإطراء، بل يحاول أن يغرس قيمة: الحث على العلم، وتعظيم الأخلاق، واحترام الرموز، والإشادة بالعطاء، وربط النجاح بالاجتهاد لا بالمصادفة. وهذا ما يمنح شعره بُعدًا أخلاقيًّا واضحًا.
ومن الجوانب التي أراها أساسية لفهمه أنه شاعر «ينتمي». والانتماء هنا ليس مجرد تعلق بالمكان بوصفه جغرافيا، بل بوصفه ذاكرة وروحًا وعلاقات ودفئًا إنسانيًّا. حين يكتب عن "الأحساء" أو غيرها، تشعر أن المكان حيٌّ في وجدانه؛ له رائحة وصوت ووجوه وذكريات. وربما كان هذا أحد أسرار حرارة شعره؛ لأن القصيدة التي تُكتب من داخل الانتماء تكون أصدق من القصيدة التي تُكتب من خارج الشعور.
أما في شعره الولائي والديني، فتظهر شخصية أخرى موازية: شخصية المحب المتأمل. فهو لا يكتب بروح الجدل أو الاستعراض الفكري، بل بروح إنسان يميل إلى السَّكينة والإشراق الداخلي. ولذلك تتكرر في شعره مفردات النور والهداية والدعاء والطمأنينة والنجاة، وهي مفردات تكشف عن نفْسٍ روحانية أكثر من كونها نفْسًا صِدامية.
وأحسب أن أكثر ما يميز "أبا عدنان"، في النهاية، أنه من الشعراء الذين لا يفصلون بين الإنسان والنص. فكثير من الشعراء يبدعون في القصيدة، لكنك إذا عرفتهم وجدت فجوة بين أخلاقهم وشعرهم. أما هو، فمن النوع الذي تشعر معه أن القصيدة امتداد طبيعي لطباعه ووفائه وطريقته في النظر إلى الناس والحياة.
ولعل هذا ما جعل صُحبته الطويلة تكشف لي شيئًا يتجاوز حفظ النصوص وتذوقها؛ فقد جعلتني أتعرف إلى «روحه الشعرية» نفسها. صرت أفهم لماذا يختار مفردة بعينها، ولماذا يجنح أحيانًا إلى النبرة المَهيبة، وأحيانًا أخرى إلى الحنان الهادئ، ولماذا تتكرر عنده ثيمات النور والوفاء والذكرى والمكان والناس الطيبين. هذه ليست مجرد موضوعات شعرية؛ بل ملامح إنسان عاش بهذه القِيَم فعلًا.
ولهذا كله، أرى أن "أبا عدنان" ليس شاعر زينة لفظية، بل شاعر أثر ورسالة وجدانية. قصيدته لا تريد فقط أن تُقرأ، بل أن تُقال في مجلس، وتُهدى في مناسبة، وتُعلَّق في لوحة، وتبقى في الذاكرة. وهذا النوع من الشعر يؤدي وظيفة اجتماعية وروحية عميقة، لأنه يحفظ مشاعر الجماعة ويصوغها في لغة أرفع من الكلام اليومي.
ولو أردت أن أختصر أثره بكلمة واحدة، لقلت: إنه شاعر يجعل القصيدة «مجلسًا للوفاء».
فالذي يقرأ شعره يشعر أنه أمام رجل يحترم الكلمة، ويحترم الناس، ويحترم الذكرى، ويحاول دائمًا أن يرفع الأشياء الجميلة إلى مقامها اللائق بها. ولهذا تبقى قصائده قريبة من النفس؛ لأن فيها شيئًا من صفاء صاحبها، وحرارة قلبه، ووفائه العميق لكل ما يحبه ويؤمن به.
وفي ختام هذه الكلمات، لا أجدني أكتب عن شاعرٍ فحسب، ولا عن عالمٍ فقيه قلَّ نظيره فحسب، ولا عن أديبٍ حملته اللغة إلى قلوب الناس؛ بل أكتب عن إنسانٍ كان له في حياتي أثرٌ لا يُقاس بالكلمات، ومقامٌ لا تحدُّه العبارات.
لقد كان "أبو عدنان" — وسيبقى — بالنسبة إليَّ أكثر من أستاذ وصديق؛ كان وما يزال صورةً للأب الحاني، والقدوة التي يتعلَّم الإنسان منها. تعلَّمت منه معنى الوقار، وصدق الكلمة، والثبات على المبدأ، واحترام العلم، وحرمة الوفاء، وكيف يكون الإنسان كبيرًا بأخلاقه قبل علمه وأدبه.
وما صُحبتي الطويلة له إلا نعمة أحمد "الله" عليها؛ إذ لم أرَ فيه شاعرًا يكتب القصيدة فقط، بل رأيت رجلًا يعيش القيم التي يكتبها، ويحمل في قلبه من الصفاء والمحبة والكرامة ما يجعل القرب منه مدرسةً في العلم والأدب والإنسانية معًا.
فله مني خالص الشكر، وعظيم العرفان، وصادق الوفاء، على ما أولاني من مودةٍ ورعايةٍ ونصحٍ وأثرٍ جميل، وعلى ما غرسه في نفسي من معانٍ ستبقى ما بقي العمر.
أسأل "الله تعالى" أن يحفظه ويمتِّعه بموفور الصحة والعافية، وأن يبارك في عمره وعلمه وأثره، وأن يجزيه عن محبيه وتلامذته وأهله خير الجزاء، وأن يبقيه منارةً للعلم والأدب والوفاء.
وسيظل — في نظري ووجداني — ذلك الإنسان الذي لا يُنسى أثره، ولا تغيب صورته من القلب، مهما امتدت الليالي والأيام وتعاقبت السنين.
جديد الموقع
- 2026-05-04 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس مجلس إدارة جمعية البر الخيرية بمحافظة حفر الباطن
- 2026-05-04 سمو أمير المنطقة الشرقية يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة ويثمن جهودهم
- 2026-05-04 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على برامج وأنشطة جمعية البر الخيرية بمحافظة حفر الباطن
- 2026-05-04 سمو محافظ الأحساء يستقبل المدير العام لفرع الهلال الأحمر بالمنطقة الشرقية ويتسلّم شهادة الامتثال الإسعافي
- 2026-05-04 القارة الابتدائية بالأحساء تكرم 33 معلمًا صغير ًا
- 2026-05-04 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على إنجازات جمعية وئام
- 2026-05-04 سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على جهود حرس الحدود بالمنطقة
- 2026-05-04 *تراثٌ بيئي متوارث يعزّز الاستدامة… جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تستقطب أكثر من 500 زائر في مبادرتها الثالثة*
- 2026-05-04 إخوانيات ديوان البيت الواحد للشاعر عقيل المسكين
- 2026-05-04 مدينةٌ كتب إنسانها قصتها بيديه