2025/05/24 | 0 | 1953
النخلة والموروث الاجتماعي
والدتي رحمها الله تورد قصة أن احد الفلاحيين يموتوا اطفاله بعد الانجاب بعد فترة قصيرة من ولادتهم، واقترح عليه احد كبار السن أن يعانق نخلة في مزرعته حين تحمل زوجته ويقول عبارة " فيك فيك يا النخلة ولا في عيالي "، بالفعل انجبت زوجته له ابناء وبقوا على قيد الحياة بأعمارهم المقدرة لهم، سرد هذه الحكاية ليس للاثبات أو النفي لكن اوردتها كعلاقة الإنسان مع النخلة حتى بالتضحية في الموروث الاجتماعي.
كما ينقل عن البابليين مثلهم "إذا زرع شخص نخلة في أرضه سوف تباركه الآلهة ويزداد خيرا"، بعض المجتمعات حين يموت شخصا تزرع قرب قبره فسيلة اعتقادا منهم في إراحة الميت وابعاد عنه الشر، لكن الغريب في رواية (النخلة والجيران) للكاتب العراقي غائب فرمان طعمة يصور النخلة عاقرا في الرواية كأن لا فائدة منها وربطها بحالة بؤس وفقر، حتى لو كان يصور الظروف الاقتصادية في فترة زمنية بائسة تحديدا بعد الحرب العالمية الثانية، اذ كانت الحالة المالية سيئة لكن على مر العصور كانت وما زالت النخلة هي الملاذ الاقتصادي الآمن واناء الطعام إذا اجدبت التربة بدون نبات، ومأوى الأكل والسكن إذا انتشر الحرمان، ورمز العطاء إذا قحطت الأرض وتوقفت السماء عن هطول الأمطار.
النخلة كانت تزرع في البيت ليس لرطبها وتمرها فقط بل هي حارسة للبيت إذا غاب عائله وصديقة للأم ومسلية للأبناء إذا ذهب للعمل والكدح، ويقال في الأمثال "ازرع في كل مكان نخلة".
في كل اركان البيت تجد ما يذكر بالنخلة من حصير وسفرة تزين جمعة العائلة على الغداء وتجذب الناظر وهي منشورة على الجدار وخوصها أساس صناعة الزبيل والمرحلة، وأعوادها مكون قفص الرطب والجذوع غطاء الغرفة والعريش، تمر النخيل لا يغيب عن المنزل فهو رمز الكرم وعلامة المحبة حين ينقل الشخص صحن التمر من يد إلى أخرى في المجالس مع قهوة تتناغم في لونها مع لون التمر.
النخلة في أي بقعة بالأرض زرعت بها كانت الأساس للاقتصاد العائلي ونواة الأسرة المنتجة بدءا بالتمر وانتهاء بسعفها وليفها وجريدها وجذعها، وما زلت خصوصا لمن يحب التراث.
القرآن رسخ أهمية النخلة بذكرها في القرآن ٢٦ مرة،
تمرها مفيد للمرأة الحامل وفي حالة المخاض قال الله تعالى (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ)، (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)، آية(٢٣-٢٥)س مريم.
أصبح التمر الغذاء الأكثر فائدة للحامل وظل لها إذا اشتدت حرارة الشمس، النخلة عنوان السكن والاستقرار والاطمئنان.
النخلة تاريخها طويل صديقة الإنسان أو كما ذكر في الأثر عمة الإنسان، فكل مكان في الأرض زرعت النخلة فيه كانت ملهمة في القصص والحكايات ونسجت حولها اساطير تدل على أهميتها وقوة تأثيرها الغذائي وفوائدها الاقتصادية.
يندر مجتمع استفاد من النخلة لا يروي قصصا وروايات بطلتها النخلة في الغذاء والسكن والدواء.
كانت الذاكرة الاجتماعية الشعبية الاحسائية تذكر عند الأطفال حين يعلوا أصواتهم وتزيد حركتهم في البيت تقول الأم "اعقل وإلا بخلي أم الخضر والليف تجيك" عبارة للطفل ليس القصد التخويف بقدر ما هو ملاطفة ضمنية وصادقة من جهة الأم بأن ما تهدد ابنائها بها هي موجودة بينهم تحرسهم يتأملوا في سعفاتها صباح مساء حين تتحرك إذا هبت نسمات الهواء.
النخلة رمز الطموح والصعود تدرب الفلاح ومحب السعي إلى الأعلى، والتسلق والصعود على جذعها ابتداء من نخلة المنزل، تدربه على الصبر في تحملها العطش والصمود امام العواصف، النخلة ربما الشجرة الوحيدة التي يتحدث عنها المجتمع طوال السنة برطبها وتمرها فلها موسمين للحصاد بالرطب والتمر.
النخلة لها اسماء متنوعة كالإنسان تعرف باسماء مختلفة باكثر من ٥٠٠ اسم في الاحساء وثمرتها بعدة ألوان تنتهي في موسم التمر بلون واحد تقريبا، لا غنى عنه على السفرة يوميا، واحد المكونات الرئيسة في صناعة الحلويات والأكلات الشعبية والحديثة.
الاحسائيون يستخدمون التمر لعلاج التورم والرضوض في اليدين والأقدام بعجن التمر (السحة) مع السمن وتسخينه ولفه بقماش ووضعه على الإصابة للشفاء، وايضا يستعمل التمر في علاج الشد والتشنج العضلي.
كما يعتبر نواة التمر بعد الطحن قهوة لذيذة ومفيدة لتخفيض السكر.
النخلة مفردة لا تخلو الكتابات التراثية والأحاديث الاجتماعية من ذكرها وضرب الأمثال عليها وفي الشعر والأهازيج والاناشيد.
النخلة اسم له معنى واسع في الثقافة الاجتماعية الشعبية يضرب بها في الأمثال مثل ما يقال "النخلة أكرم من راعيها" ويقال "النخلة الطويلة ما أقدرها والصغيرة فيها (سلة)شوك" ويقصد بها عن الكسل والعجز، كما يعبر عن النخلة بخيرها وكرمها "إذا صار الصرام كل الناس كرام" وقيل على مراقبة الناس للشخص ومحاسبته "إذا كنت تاكل التمر، غيرك يعد الطعام"، النخلة حاضرة في الذاكرة الشعبية أيضا بالأفراح وحتى الأتراح يستعمل سعف النخيل في زفة العروس وهي علامة السعادة والسرور والنمو، كذلك يستخدم جذوع النخيل في تغطية اللحد بالقبر.
النخلة تجمع عدة تخصصات في العناية بها في كل مجتمع يزرعها، فمثلا بالاحساء، يعرف البط (تشذيب أو تقليم زوائد النخلة) والعامل يسمى البطاط، الشحاط وهو من يقطع السعف من النخلة، والتنبيت (التأبير) تلقيح النخلة في بداية حملها الثمر، والصرام من يصرم التمر في نهاية موسمه.
النخلة مصدر خير مستدام وشعار المنازل قديما وحديثا والنخلة تحمل عدة اسماء لتميز ثمرتها رطبا وتمرا فهي عروس المنازل وزينة الشوارع وملجأ وغذاء لعابر السبيل وهي خير وبركة كما تذكر خليجيا:
جت أمي جت أمي جابت عذوق السلمي تعني إذا اقبلت المرأة ودخلت المنزل أو أي شخص وفي يده الخير والرزق الوفير.
جديد الموقع
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*
- 2026-04-01 برئاسة معالي وزير الشؤون الإسلامية.. المجلس التنفيذي لمؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي ينعقد يوم غد الخميس عبر الاتصال المرئي
- 2026-04-01 إنقاذ مولودة تعاني من استرواح صدري مزدوج عبر فريق النقل الطبي لحديثي الولادة بتبوك
- 2026-04-01 مجلس إدارة جمعية "عطاء" بالدمام يناقش خططه التشغيلية المستقبلية
- 2026-04-01 مفهوم العدو بين ذاكرتين : الخليجية والعربية
- 2026-04-01 لماذا يصاب الناس بالذعر الشديد عندما يشعرون بالتوهان؟
- 2026-04-01 أفراح الخميس والثواب تهانينا