2016/06/13 | 0 | 2894
أفضل الأعمال في شهر رمضان الجزء الرابع والأخير
ومواصلة للحديث نقول : إن الأمر لا يقف عند هذا الحد فقط،بل أيضا هناك تطابق كامل في المنهج السلبي،فكما أن الطبيب البشري يسدي للمريض بعض التوصيات،ويؤكد عليه الالتزام بها من أجل أن يكون للعلاج أثره ومفعوله في القضاء على مرض البدن، كذلك الطبيب الإلهي يسدي لمريضه بعض النصائح والتوجيهات والوصايا من أجل أن يكون للعلاج الروحي أثره ومفعوله في علاج مرض النفس.
فالطبيب الإلهي لا يكتفي في العلاج بالوصفة العلاجية التي يقدمها لمريضه من صلاة وصوم وغيرهما,بل أيضا يقدم يسدي إليه النصائح والتوجيهات بأن لا يسرق،لا يزني،لا يشرب الخمر،لا يقتل النفس المحترمة،لا يمشي بين الناس بالغيبة والنميمة،لا يتعامل بالربا والغش والخيانة...فهذه التوصيات مطابقة تماما لتوصيات الطبيب البشري الذي قال لمريضه : لا تأكل الأكلات الدسمة،ولا تتعرض لحرارة الشمس،ولا تعرض الجرح للغبار.
وكما أن مريض البدن لن يستفيد شيئا من العلاج إذا لم يلتزم بالتوصيات،كذلك مريض الروح لن يستفيد شيئا من العلاج إذا لم يلتزم بالتوصيات،وذلك لأن عدم الالتزام بتلك التوصيات من شأنه أن يؤثر سلبا على مفعول العلاج،ويجعله فاقد الأثر.
فالغبار يلوث الجرح،ويجعله يصاب بالالتهابات،مما يضاعف الحالة المرضية، وربما احتاج المريض إلى عملية جراحية ثانية،وكذلك الحال بالنسبة للأعمال السيئة،فإنها تؤثر سلبا على الأعمال الصالحة وتفسدها، وتجعلها فاقدة للقيمة والأثر.
فالإنسان الذي يكثر من الصلاة والصيام والحج والدعاء وتلاوة القرآن...لن يستفيد شيئا من كل ذلك،إذا كان في المقابل يزني ويسرق ويقطع الرحم ويعق الوالدين،ويشرب الخمر... وذلك لأن الأعمال السيئة أثرت سلبا على الأعمال الصالحة فأفسدتها.
أنظروا ماذا يقول الإمام أمير المؤمنين في دعاء كميل:(اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر الذنوب التي تغير النعم،اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء،اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء)
ودققوا جيدا في دعاء الأمير عليه السلام،ففيه دلالة واضحة على أن لكل ذنب أثر سلبي معين على الإنسان،كما أن هذا الأثر ليس محصورا في يوم القيامة من العقوبة الإلهية كما يتصور البعض،بل أن هذا الأثر سيواجهه الإنسان في هذه الحياة الدنيا أيضا،وذلك أن الله تبارك وتعالى لما خلق هذا الكون العظيم،جعله خاضعاً لمجموعة من السنن والقوانين المؤثرة فيه سلباً وإيجاباً,والمجتمع البشري ــ في سعادته وشقائه,وشدته ورخائه ــ خاضع لهذه السنن والقوانين،مستسلم لها, محكوم بها،لا مفر له منها أبدا.
ومن هذه السنن ما هو مادي،كتبخر الماء إذا أشرقت عليه الشمس,وتلقيح الأشجار عن الطريق الرياح, وتعاقب الليل والنهار إثر حركة الأرض...ومنها ما هو غير مادي،كتأثير عمل الإنسان في الكون والحياة.
والواقع أنه لا يمكن لأحد أن ينكر وجود التأثير الكبير لعمل الإنسان في الحياة سلباً وإيجاباً،بعد أن أكدت ذلك الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة، والحوادث التاريخية...فإن في القرآن الكريم والسنة المطهرة،آيات وأحاديث كثيرة جدا،تؤكد أن الله عز وجل جعل عمل الإنسان من السنن السائدة المؤثرة في هذا الكون بالسلب والإيجاب، وأن المجتمع البشري خاضع لهذه السنن خضوعا تكوينيا،محكوم بنتائجها حكما قطعيا،لا خيار له فيه ولا قرار،وإن كان يملك الخيار في سلك أي الطريقين يشاء،طريق الخير ليجني الخبر،أو طريق الشر ليحصد الشر.
ومن الآيات القرآنية الدالة على هذا المعنى،ما نقله القرآن العزيز عن لسان شيخ الأنبياء نوح،حيث قال عليه السلام لقومه : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا،يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين، وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) فهذه الآيات الكريمة تعتبر الاستغفار من السنن الإلهية المؤثرة في هذا الكون,وتعده علّة تامة لهطول الأمطار,وجريان الأنهار,وعمران الأرض,وكثرة الأموال,وإنجاب البنين والأولاد,كما أن عدم الاستغفار يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً,وللمجتمع البشري الحرية الكاملة في اختيار أي السنتين شاء، ليحصد ثمار اختياره.
ومن الآيات الكريمات الواردة في هذا المعنى،قوله عز وجل : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) وواضح جدا أن هذه الآية الشريفة تبين كلا طرفي السنة الإلهية سلباً وإيجاباً,كما تبين النتائج المترتبة عليهما,فسنة الإيمان والتقوى عاقبتها أن يفتح الله علينا بركات من السماء والأرض،ويغدق علينا من نعمه التي لا عد لها ولا حصر, وسنة التكذيب بآيات الله عز وجل،عاقبتها العذاب والهلاك,والخيار لنا في الأخذ بأي سنة نشاء.
والآيات في هذا المعنى كثيرة,بل تكاد لا تحصى كثرة،منها قوله تعالى : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)وقوله تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)وقوله عزّ سلطانه : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) إلى ما هنالك من آيات كريمات تثبت وتؤكد (أِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
وأما ما ورد في الأحاديث الشريفة في هذا المعنى،فهو أيضا كثير جداً,ويكاد يفوق العد الإحصاء،منه ما رواه السيوطي من أن الإمام على بن أبي طالب عليه السلام، سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى : (يمحوُ الله ما يشاء) فقال عليه وآله أفضل الصلاة وأزكى السلام : (لأقرن عينيك بتفسيرها،ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها,وبر الوالدين,واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة,ويزيد في العمر,ويقي مصارع السوء)
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام : (أيما مؤمن نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه سبعين كربة من كرب الدنيا،وكرب يوم القيامة)(ومن يسر على مؤمن وهو معسر،يسر له حوائجه في الدنيا والآخرة)(ومن ستر على مؤمن عورة يخافها،ستر الله عليه سبعين عورة من عوراته التي يخافها في الدنيا والآخرة)(وأن الله عز وجل في عون المؤمن،ما كان المؤمن في عون أخيه المؤمن،فانتفعوا بالعظة،وارغبوا في الخير)
والذي نؤكد عليه هو أن آثار العمل ونتائجه ـ سواء كان صالحا أو طالحا ـ ليس محصورا في يوم القيامة،بما يجنيه الإنسان في ذلك اليوم من ثواب أو عقاب،كما قد يتوهم البعض من الناس، بل الذي يؤكده القران الكريم والسنة المطهرة،هو أن للعمل دوراً كبيراً،وأثراً فاعلاً في نظام الكون وأحداث الحياة, وأن الإنسان يجني حصاد عمله في هذه الحياة الدنيا، إن كان خيرا فخير،وإن كان شرا فشر،فإن كان العمل صالحاً،كانت نتائجه السعادة والرفاهية للبشرية,وإن كان سيئاً،كانت ثماره الشقاء والتعاسة،والدمار الشامل، الذي لا يبقي ولا يذر.
ولو أننا قرأنا التاريخ في مراحله المختلفة،لرأينا في حوادثه ما يؤكد لنا هذه الحقيقة,ويبرزها بأجلى مظاهرها.
وهذا أمر طبيعي جدا،فإن الالتزام بالأنظمة والقوانين، يحقق الأمن والسلامة للمجتمع،كما أن مخالفتها، تنتج عنها آثار سيئة، وعواقب وخيمة.
فمن يخالف القوانين الطبيعية،ويحاول أن يسبح،ويغوص في أعماق البحار،وهو لا يحسن السباحة، ولا يجيد فنها، فستكون النتيجة الطبيعية لذلك هي أنه سيغرق ويصبح طعمة سائغة للحيتان وسمك القرش،كما أن من يحاول أن يخالف قانون الجاذبية،ويقلد الطيور بمحاولة الطيران من قمة جبل إلى قمة جبل آخر، فمن لطبيعي جدا أن يسقط إلى الأرض،فيتهشم رأسه، وتتكسر عظامه،وتسيل دماؤه،وتفارق روحه الدنيا، كما أن من لا يلتزم بالقوانين الصحية،فيسرف على نفسه في الشهوات والملذات،في المأكل والمشرب والجنس، ومقارعة الخمرة... فلا شك أنه يبتلى بالأمراض القاتلة الفتاكة،كما أن من لا يحترم القوانين المدنية والتنظيمية والاجتماعية،فيحاول أن يقطع إشارة المرور وهي حمراء،فيجب أن لا نستغرب إذا اصطدم بسيارة أخرى قادمة من الطريق الآخر، ليكون الاثنان معا ضحية لتلك المخالفة لذلك القانون.
فلا يمكن للإنسان أن يظفر بالسعادة والهناء،ويحمي نفسه من الأخطار،إذا كان يخالف القوانين،ويعيش الحرية المطلقة،وينساق مع الانفلات الكامل،بل لا بد له من أجل تحقيق ذلك من الالتزام بالأنظمة والقوانين بكل أشكالها،وفي مختلف مجالاتها،وكما يقول أحد العلماء الغربيين،مبينا أو مؤكدا حاجة الإنسان إلى القانون : (القانون كاللجام الذي يوضع على فم الفرس الهائج،فقد يطغى عليه،مع فارق واحد هو أن اللجام الذي يوضع للفرس يضعه الإنسان،بينما القانون يضعه الإنسان على نفسه،وقد يطغى عليه أيضا)
ولكنه متى طغى عليه،وقام بمخالفته،فلا شك أنه سيدفع جزاء ذلك الطغيان،وتلك المخالفة،وأحيانا قد يكون الثمن باهظا ومكلفا جدا.
وكما أن الالتزام بالقوانين الطبيعة والصحية والاجتماعية... يحقق الأمن والسلامة للإنسان، ومخالفتها تترتب عليها الكثير من المآسي والفجائع، فكذلك الحال في القوانين الإلهية،فإن من يلتزم بها يجني خير الدنيا والآخرة، ومن يتركها وراء ظهره، سيدفع ثمن ذلك باهظا وكبيرا جدا،في الدنيا والآخرة، ذلك أن الجزاء من جنس العمل،فمن عمل الخير، سيحصد الخير،ومن عمل الشر،سيحصد الشر،إذ أن عمله سنة مؤثرة في الحياة.
فالمجتمع الذي يعيش الطهارة والنقاء والصفاء, ويلتزم بالقيم والمبادئ والفضائل والمكارم،ويعمق الروابط بينه وبين الله تعالى،ويستقيم في أمور حياته بالمحافظة على الأعمال الصالحة،والابتعاد عن الأعمال السيئة,يظفر بالعيش الرغيد،والحياة الهانئة،وينعم بالأمن والهدوء والاستقرار،أما المجتمع الذي يلوّث نفسه بالذنب والمعصية، ويبتعد عن الله ودينه القويم، وينحرف عن صراطه المستقيم،ويعكف على ممارسة الرذائل، وارتكاب المحارم،فإنه سيجني ثمار عمله السيئ، فيبتلى بالمصائب والمحن، وشتى أنواع الشرور,ذلك أن العلاقة بين الذنب والبلاء وطيدة وقوية جدا،فإن أكثر المآسي والآلام والنكبات التي حلت بالمجتمعات البشرية،كالحرائق والرياح والأعاصير والزلازل والبراكين والفقر والمجاعة والأمراض...كانت وليدة تلوّث المجتمع بالذنب، وعكوفه على الجريمة.
من هنا أصبح من الضروري جدا أن لا يقدم الإنسان إلا العمل الصالح،وأن يحرص على عدم إفساده بالعمل السيئ،ذلك أن الإنسان الذي يقدم عملا صالحا،ثم يعقبه بعمل سيء،لن يستفيد من عمله شيئا،لأنه يبني من جهة ويهدم من جهة أخرى،فلن يقوم له بناء،في حين أن الذي يبني ولا يهدم يقوم بناؤه،ولو كان في كل يوم يضع طوبة واحدة فقط لا أكثر.
ألم تسمعوا قول النبي صلى الله عليه وآله : (كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش) فلماذا ذلك؟
لأن هذا أفسد صومه بسوء عمله.
وهذا يكشف لنا عن حقيقة مهمة جدا وهي : (أن الحمية أهم بكثير من الدواء)وقديما قيل: درهم وقاية خير من قنطار علاج،وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليه :(الحمية رأس الدواء)
فليس المطلوب منا أن نعمل فقط،بل المطلوب أيضا أن لا نفسد أعمالنا،ولا نجعلها تذهب هباء منثورا،لأن ذلك حماقة كبرى لا يصح أن نتصف بها،فكما عملت فعليك أن تحافظ على عملك،ومتى بنيت فلا تهدم بنيانك بيدك.
وما قدمناه في هذا الجزء من تأثير العمل السيئ على العمل الصالح وإفساده له، يوصلنا إلى نتيجة مهمة، توضح لنا ما قلناه في ختام الجزء السابق من أن قول النبي صلى الله عليه وآله في بيان أفضل الأعمال،أن ذلك يتمثل في : (الورع عن محارم الله) هو كلام جامع مانع.
وهذه الحقيقة هي أن الورع عن محارم الله عز وجل، لا ينحصر فقط في عدم ممارسة المحرمات،بل أيضا هو يشمل عدم ترك الواجبات.
وباختصار :الورع عن محارم الله يعني أن لا تترك واجبا،ولا تفعل محرما.
وهذا ما أكده الإمام الصادق عليه السلام في تعريفه للتقوى بأنها : (أن لا يراك الله حيث نهاك،ولا يفقدك حيث أمرك) لأنه حتى وإن لم يفقدك سبحانه حيث أمرك،فإن ذلك لن ينفعك شيئا متى رآك حيث نهاك،إذ أن هذا أثر سلبا على ذاك،وأفقده قيمته،وذهب بمنفعته.
ونختم بقولنا وتأكيدنا بأنه ليس المهم فقط أن نصلي ونصوم ونقرأ القرآن... ولكن من المهم أيضا أن لا نفسد ذلك بسوء أعمالنا.
جديد الموقع
- 2026-04-04 افراح العباد اتهانينا
- 2026-04-04 بر الفيصلية يكرم المشاركين في برنامج (ساعاتي حسناتي )
- 2026-04-04 مع عروج أريب - لِوَاءُ الْمَنَابِرِ
- 2026-04-04 عيناك تسبرني
- 2026-04-02 متى يكون نوم الزوجين على سريرين منفصلين أفضل؟
- 2026-04-02 ( ( صراع الجهل والعلم) )
- 2026-04-02 غقد قران الشاب أياد عماد الجابر تهانينا
- 2026-04-01 تعليم الأحساء يحصد درع التميز في المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي على مستوى المملكة
- 2026-04-01 سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتيسير الزواج ورعاية الأسرة "رعاية"
- 2026-04-01 *متحف عبدالرؤوف خليل بجدة أيقونة معمارية تراثية تغبر أسوار الحضارة عبر العصور*